الرئيسية» الرئيسية دفتر الزوار»دفتر الزوار راسلنا»راسلنا شروط»اتفاقية الاستخدام
تويتر فايسبوك
مدير الموقع
موقع فلسفة
لايستهدف جلب الأنصار و إنما تكوين أناس أحرار

موقع فلسفة
قائمة المحتويات

فلسفة

 
التفكيكية
التفكيكية Deconstruction شرحها جاك دريدا من خلال ثلاثة كتب و هي ولدت على أنقاض ماتهشم من جدران البنيوية.
أي هي تالية لها زمناً. ولدت في فرنسا قبل 35 عاماً و لكنها هاجرت الآن إلى شواطئ أخرى. هي ليست فلسفة, بل نقد للفلسفة, للغة للأدب, و كان شعار دريدا "لاشيء خارج النص"
جاك دريدا يقول: أن النص نفسه قد يكون هو النص الأصلي القديم و لكن أهواء النفوس حرفت معناه, غالباً سبب ارتزاقي ديني, ملالي إيران, باباوات الغرب, حاخامات اليهود, و أيضاً قد يكون السبب سياسي.
دريدا يقول في كتابه ecriture مثلاُ أن النص هو النص و لكن معناه يتبع كلام قراءة صاحب النص.
و لا يمكن أن نتحدث عن ما بعد الحداثة من غير أن نمر على "جاك دريدا"بوصفه الأب الروحي للموقف التفكيكي (التشريحي) والعراب الذي يقف وراء طغيان هذا الموقف على الأوساط الفكرية ..
نحن لا نملك أن نعرف "التفكيكية" .. لأننا إذ نحاول ذلك فإننا نتحدى أهم مبادئها .. وهي إنكار التعريف النهائي .. أو المطلق ..
بؤرة "التفكيكية" تتركز في اعتبار الحقيقة مفهوم نسبي يعتمد على موقف المثقف وإطاره المعرفي الذي ينطلق منه .. المثقف الذي لن يكون محايدا أبدا .. مثله مثل "الكاهن" الذي يرى بنور الله .. أو البرجوازي الذي يرى بعيون الشيطان (المال) .. أو السياسي الذي لا يرى أصلا .. الكل يعتقد أن أحكامه ترتكز إلى مقدمات منطقية .. ومقنعة أيضا ..
كيف تعرّف مصطلحاً ؟
إنك وأنت تحاول أن تعرف أي مفهوم فإنك تلجأ إلى "تحريك" اللغة الساكنة وتستنجد بألفاظ لها روح "حيوية" تمكنك من إيصال الفكرة .. وهنا تكمن المشكلة ..
"تحريك" و "حيوية" .. تأمل هاتين الكلمتين .. إذن هناك حركة .. ونبض .. وقفز .. ونشاط .. هناك باختصار "لَعِب" .. وهناك لعبة .. نحن لا نتكلم باللغة .. وإنما نلعب بها..ولذلك فإن العلاقة بين اللغة والحقيقة ليست موجودة
..does not exist.. وحتى إن وجدت .. فإنها ليست محل ثقة .. لأن بنية اللغة هي في نهايتها تصور ثقافي متوارث .. وليست سوى ذلك .. هذا الموقف المتشكك -على بساطته- كان له دوي سياسي كبير.. فلفترة طويلة جدا .. كان هناك افتراض أن الفلسفة متلاحمة مع الأدب واللغة .. وأن العلاقة بين الكلمة ودلالاتها علاقة راسخة وموثوقة.
الكل يعتقد أن اللغة هي مرآة للطبيعة .. لكن هذا الافتراض عند دريدا وأتباعه ليس إلا وهما قد نذروا أنفسهم لاستئصاله .. إنها سكرة من سكرات الخداع حين نعتقد بأن للكلمة معنى "حقيقي" في هيكل الوجود ..أو أن لها (للكلمة) إيحاء حياديا .. ولذا فإن الفلسفة أو العلوم أو الروايات -عند ما بعد الحداثة - لم تعد تعبر عن العالم كما كان يعتقد .. حتى الروايات التاريخية "المعتمدة" هي عرضة للنقد والتساؤل .. ليس هذا وحسب .. بل إن من يعتقد صحة الروايات التاريخية يتهم بالثقة الساذجة بما سمي على سبيل التهكم "النصوص (الحقيقية) الصفراء" .. إن دريدا لا يخوض في البحث عن تفسير "صحيح" .. إنه يرى تفاسير مختلفة .. تناولتها الأيدي بالتزييف والتحريف ..
قد يكون التزييف بإضفاء هالة خارقة كَـأنَ يعبر عن النص بمرجعيته لإله مثلا.. أو باللجوء لمصطلحات مقبولة .. وفي نفس الوقت غامضة .. مثل "المنطق" ..أو "الإنسانية" .. وغالبا ما تنصب عملية التزييف هذه من أجل أن تحقق مرجعيةً تمارِسُ نوعا من التنظيم للخطاب الفكري والثقافي .. والأهم من ذلك تتولى هذه المرجعية ترسيخَ العلاقات بين الكلمة ودلالاتها بطريقة جامدة ..
علينا أن نتذكر أن دريدا لا يقول أن العلاقة بين الكلمة ودلالتها خطأ ..وإنما ينتقد أن يكون للكلمة دلالة معروفة .. وسبب ذلك أن الكلمة التي لها دلالة .. تتكئ في دلالتها على كلمات أخر ومفاهيم تعتمد النسبية ..
مثال ذلك .. أن تكون جنديا أمريكيا في العراق .. فلكي تزعم أنك منطقي .. ساع لتحقيق العدالة .. ومحب للسلام .. فلابد أن تفترض أن المقابل الذي تصوب له بندقيتك .. ملعون .. خبيث .. عدو للشعوب.. حتى وهو يتخبط في دمائه ..
)أثناء الحرب الكورية .. خرجت مجلة التايم الأمريكية بصورة لجندي أمريكي يدوس أحد الجنود الكوريين المحترقين بالغاز .. وقد كتب على الغلاف "وحوش" .. ترى من كانوا يقصدون بالوحوش ؟؟ .. ).
حسب رأي دريدا .. أن منهج التفكيك هو الوحيد الذي يكفل تقويض ثقتنا في الأشياء المألوفة سياسيا وأخلاقيا ومنطقيا .. وبما أننا مأسورون في قفص النظام اللغوي .. ولا فكاك من قبضته .. فالكلمات .. وما يتبعها من "معلومات" و"معرفة" و"حكمة" لابد أن تفسر من خلال ارتباطها بالأنظمة الفكرية والثقافية التي نبعت منها .. وبالتالي لا يمكن لها أن تعبر عن الحقيقة كما نرغب.. "الكلمة" هي مجرد شفرة حفرت دلالاتها في اللاوعي الإنساني .. والمعاني يذلك ليس لها وجود !
فقط أن ندرك أن الحقيقة شكل من أشكال الخيال .. وأننا لا نعيش الحقيقة بقدر ما نعيش داخل تصوراتنا لها .. القراءة -تصبح بهذا- نوعا من عدم القراءة .. والفهم ليس إلا سوء فهم ..
إذا اعتمدنا هذا التصور سنجد أن التراكمات الفكرية التي تمخضت عن نظم اجتماعية.. وهوية إنسانية.. وحضارة .. ومفردات كبيرة أخرى نشأت في الأصل "بترَكيب" بعضها فوق بعض بطريقة لا تقبل التبرير أبدا ..
طريقة "التركيب" -وحدها- هي التي أفرزت لنا هذه المفاهيم .. ولو تم تركيب الأفكار بطريقة أخرى لخرجت لنا نفس المفاهيم ولكن لتدل على معان أخرى مختلفة تماما .. قد يقول قائل .. كلا .. فلو تم تركيب الأفكار بطريقة أخرى لخرجت لنا مفاهيم "جديدة" ..
لكن "ما بعد الحداثة" تعتقد أن اللغة شحيحة وأن تكوينها سيقودنا دوما نحو نفس المفاهيم .. (وهذا ما يفسر احتفاء "ما بعد الحداثة" بعلم اللغويات وبنظريات تشومسكي التي أكد فيها أن اللغة والتخاطب لها قوانين كونية و (جينية) وليست كما يتصور الداروينيون .. الذين يريدون أن تكون اللغة مجرد تطور تلقائي للإنسان في رحلته الطويلة التي صارع فيها البقاء)
وجد أتباع دريدا أنفسهم بعد أن تغلغلت هذه الأفكار في نسيجهم الثقافي مدفوعين تلقائيا لصنع نظريات إعادة كتابة التاريخ و ما صاحبها من موت المؤلف ..
التاريخ أصبح مجرد رواية قيدت نفسها بالأساطير والقصص والخرافات والاستعارات .. فمصادر هذه الرواية في نظرهم -مهما كان حيادها وموضوعيتها- كانت منهمكة في صنع حبكة روائية من نصوص وأحداث متسلسلة ..
من حق كل مؤرخ أن يروي لنا قصته .. ويختمها بـ "تمت" .. وليس لأحد أن يطالبنا بعد ذلك أن نعد ما رواه لنا هو "القصة" .. حتى ولو كان هو (أو هي) يرمي إلى ذلك .. نعم ..ستكون لنا روايات بعدد المؤرخين .. وستتنافس فيما بينها .. ولأننا لا نملك العودة للماضي لاستكشاف الحقائق .. فلن يتبقى لنا إلا أن نتعايش مع الروايات المتصارعة بمبدأ النسبية .. حيث لا اعتقاد هو "أفضل" من اعتقاد آخر .."