الرئيسية» الرئيسية دفتر الزوار»دفتر الزوار راسلنا»راسلنا شروط»اتفاقية الاستخدام
تويتر فايسبوك
مدير الموقع
موقع فلسفة
لايستهدف جلب الأنصار و إنما تكوين أناس أحرار

موقع فلسفة
قائمة المحتويات
بكالوريا 2017

فلسفة

 
فرويد - مختارات من : مختصر التحليل النفسي

سيغموند فرويد (1858 - 1939)

ولد سيغموند فرويد (Sigmund Freud) في فرايبرغ (Freibberg) وهاجرت عائلته إلى فينا (Vienna). عاش هناك حتى سنة 1938، وعندما ضم هتلر النمسا إلى ألمانيا اضطر فرويد إلى تركها بسبب كونه يهودياً وعاش في لندن حتى وفاته بعد ذلك بقليل.

درس سيغموند فرويد الطب في فينيا أولاً، ومارس هذه المهنة لسنوات عديدة. ولاحظ صلة وثيقة بين بعض الأمراض وأنماط سلوك مرضاه. سافر إلى باريس في 1885 للتخصص هناك لدراسة ظاهرة الهستيريا والعلاج بالتنويم المغناطيسي. ثم انتقل إلى مدينة نانسبي ليتتلمذ على أيدي العالمين الفرنسيين بيررنهام وليبو  في مجال التنويم المغناطيسي. وعاد فرويد بعد ذلك إلى فيينا لاستخدام ما درسه في علاج مرضاه.

ألف فرويد  كتبا عديدة دار معظمها حول ظواهر "الهستيريا" و"الأحلام"، و "التحليل النفسي". وعرض فرويد نظريته في التحليل النفسي في جامعة كلارك في الولايات المتحدة في عام 1909. وأسس جمعية التحليل النفسي في 1910 في فينا وعمل منذ 1919 أستاذا في جامعة فينا. وعانى من مرض عضال منذ 1923 وحتى موته في 1939.

يمكن إجمال موقف فرويد من الإنسان كما يلي: الإنسان هو كائن نفسي بجانب كونه كائناً عضوياً. ورغم ما يبدو من ازدواجية في هذا التحديد، إلاّ أن كلا "الكائنين"، العضوي والنفسي، يؤثر ويتأثر بالآخر، ومن الخطأ الاعتقاد أنهما منفصلان انفصالاً كاملاً، فبعض الأمراض العضوية ترجع في أصولها إلى عناصر نفسية. وقسم فــرويد الجهاز الــنفسي إلى ثلاثة: الـ (Id)، والـ (Ego)، والـ (Super Ego). ويشمل الـ (id) كافة الغرائز الموروثة والتي توجد في الإنسان منذ الولادة. واعتبر فرويد أن الـ (ego) بمثابة صمام يسمح أو يمنع هذه الغرائز من تحقيق ذاتها. أما الـ (super ego) فتتضمن مجمل السلوكيات التي تقننت شخصياً بسبب التربية البيتية أو اكتسبت شرعية اجتماعية وأصبحت أنماط سلوك اجتماعية كالعرف والعادة وأشكال الحضارة، المادية منها والروحية. وذهب فرويد إلى أن الجهاز النفسي يحدد السلوك بأشكاله وأبعاده المختلفة سواء أخذ شكل الفعل الخارجي أو استبطن داخلياً.

كرس فرويد جزءاً من وقته في أواخر حياته لكتابة بعض الأبحاث التي تعدت مجال علم النفس المحض. و"قلق في الحضارة" هو إحداها. ويطرح فرويد في هذا الكتاب الصلة المركبة بين ظهور الحضارة وتقدمها وبين الجهاز النفسي وتأثير التقدم الحضاري فيه.

 

فرويد: مختارات من "مختصر التحليل النفسي"

توطئة

الهدف من هذا المؤلف المقتضب جمع مذاهب التحليل النفسي لعرضها عرضا تقريريا ان جاز القول، في أوضح شكل ممكن وأكثره تركيزا. ولم نرم فقط، بعملنا هذا، إلى كسب ثقة أو انتزاع اقتناع.

إن تعاليم التحليل النفسي تنهض على عدد لا يقع تحت حصر من المشاهدات والتجارب، ومن لم يتحقق، في نفسه أو لدى الآخرين، من هذه المشاهدات لا يملك أن يصدر عليها حكما مستقلا.

القسم الأول: طبيعة النفسية

الفصل الأول: الجهاز النفسي

ينهض التحليل النفسي على مسلمة أساسية يقع على عاتق الفلسفة نقاشها، وإن تكن نتائجها تبرز قيمتها. فما نسميه بالنفسية (أو الحياة النفسية) نعرف عنه شيئين: أولاً العضو البدني لهذه النفسية، مسرح عملها، أي المخ (أو الجهاز العصبي)، وثانياً أفعالنا الشعورية التي لنا بها معرفة مباشرة والتي ليس لأي وصف أن يزيدنا بها علماً. أما كل ما يقع بين هذين القطبين فيبقى مجهولا لنا، وإن يكن بينهما ارتباط ما فليس من شأنه أن يمدنا بأكثر من تحديد دقيق لموضع السيرورات الشعورية، من غير أن يتيح لنا فهمها.

وتتصل فرضيتانا بهذين الحدين أو هاتين البدايتين لمعرفتنا. والفرضية الأولى ذات صلة بتحديد الموضع. فنحن نسلم بأن الحياة النفسية وظيفة لجهاز نعزو إليه امتدادا في المكان ونفرض أنه مؤلف من أقسام عدة. ومن ثم فإننا نتصوره ضربا من مقراب أو مجهر أو شيئا من هذا القبيل. وبناء هذا التصور واستكماله حدث علمي جديد، وإن كانت محاولات مماثلة قد جرت في هذا السبيل.

إن دراسة تطور الأفراد هي التي أتاحت لنا أن نعرف هذا الجهاز النفسي. ونحن نطلق على أقدم هذه المناطق أو الهيئات النفسية اسم الهذا[1]؛ ويشمل مضمونه كل ما يحمله الكائن الإنساني معه عند ولادته، كل ما هو متعين في الجبلة، أي في المقام الأول الدوافع الغريزة الصادرة عن التنظيم البدني والتي تجد في الهذا، من خلال أشكال مجهولة لنا، أول نمط من أنماط التعبير النفسي[2].

وتحت تأثير العالم الخارجي الواقعي المحيط بنا، يطرأ على شطر من الهذا تطور خاص. فبدءا من الطبقة اللحائية الأصلية المزودة بأعضاء قادرة على تلقي التنبيهات، وكذلك على اتقائها، قام تنظيم خاص وما لبث ان صار وسيطا بين الهذا والخارج. وإنما على هذا الشطر من نفسيتنا نطلق اسم الأنا[3].

الخصائص الرئيسية للأنا

بنتيجة العلاقات التي تكون قد قامت بين الإدراك الحواسي والأفعال العضلية، يتأتى للأنا ان يتحكم بالحركات الإرادية. ومهمته هي حفظ الذات، وهو يؤدي هذه المهمة، فيما يتصل بالعالم الخارجي، بتعلمه كيف يتعرف التنبيهات، وبمراكمته (في الذاكرة) الخبرات التي تمده بها هذه التنبيهات، وبتحاشيه التنبيهات المفرطة في قوتها (بالهرب)، وبتوصله أخيراً إلى تعديل العالم الخارجي على نحو موائم ولصالحه (النشاط). أما في الداخل، فهو يتصدى لمواجهة الهذا باكتسابه السيطرة على مطالب الدوافع الغريزية، وبتقريره ما إذا كان من الممكن إشباع هذه الدوافع أو ما إذا كان من الأنسب إرجاء هذا الإشباع إلى حين مؤاتٍ أو ما إذا كان من الواجب خنقها أصلاً. ويخضع الأنا في نشاطه لاعتبار التوترات الناجمة عن تنبيهات الداخل أو الخارج. فزيادة التوتر تسبب بالإجمال ألماً، ونقصانها تتولد عنه لذة. بيد أن الألم أو اللذة غير منوطين في أرجح الظن بالدرجة المطلقة للتوترات، بل بالأحرى بوتيرة تغيراتها. والأنا ينزع إلى اللذة ويسعى إلى تحاشي الألم. وكل زيادة منتظرة، متوقعة، في الألم تقابلها إشارة حصر، وما يطلق هذه الإشارة، من الخارج أو من الداخل، يسمى الخطر. وبين الحين والحين، يقطع الأنا الروابط التي تربطه بالعالم الخارجي ويخلد إلى النوم حيث يجري على تنظيمه تعديلاً مهماً. وتتيح لنا حالة النوم ان نلاحظ ان نمط التنظيم هذا يتمثل في توزيع خاص معين للطاقة النفسية.

وعلى امتداد فترة الطفولة المديدة التي يجتازها الفرد الناشئ ويكون عماده في أثنائها على والديه تتشكل في أناه، كما بضرب من الترسب، هيئة خاصة تكون بمثابة امتداد للتأثير الوالدي. هذه الهيئة هي الأنا الأعلى. وبقدر ما ينفصل الأنا الأعلى[4] عن الأنا أو يعارضه، يشكل قوة ثالثة لا مناص للأنا من أن يعمل لها حساباً.

ويعد صحيحاً كل تصرف يصدر عن الأنا ويلبى مطالب الهذا والانا الأعلى والواقع معاً، وهذا ما يحدث حين يفلح الأنا في التوفيق بين هذه المطالب المتباينة. ومن الممكن دوماً وأبداً فهم خصائص العلاقات بين الأنا والأنا الأعلى إذا أرجعناها إلى علاقات الطفل بوالديه. ومن المحقق ان ما يؤثر في الطفل ليس شخصية الأهل وحدهم، بل كذلك، وبوساطتهم، تأثير التقاليد العائلية والعرقية والقومية، علاوة على مقتضيات الوسط الاجتماعي المباشر الذي يمثلونه. ويتأثر أيضاً الأنا الأعلى للطفل، في أثناء تطوره، بخلفاء الأهل وبدائلهم، وعلى سبيل المثال بعض المربين وبعض الأشخاص الذين يمثلون في المجتمع مثلا عليا موقرة. ويتضح لنا ان الهذا والأنا الأعلى، رغم تباينهما الأساسي، تجمع بينهما نقطة مشتركة، إذ يمثل كلاهما بالفعل دور الماضي؛ فالهذا يمثل أثر الوراثة، والأنا الأعلى أثر ما تلقاه عن الآخرين؛ بينما يتعين الأنا في المقام الأول بما خبره بذاته، أي بالعارض والراهن.

ان هذا المخطط العام للجهاز النفسي يصدق أيضاً على الحيوانات العليا التي بينها وبين الإنسان وجه شبه نفسي. ويجدر بنا ان نسلم بوجود أنا أعلى حيثما يتعين على الكائن الحي ان يمر في طفولته. كما لدى الإنسان بفترة طويلة من الاتكال الطفلي. اما تمايز الأنا عن الهذا فواقع لا مماراة فيه.

ولم يعكف علم نفس الحيوان بعد على الدراسة الشائقة التي تبقى هنا متاحة له.

الفصل الثاني: نظرية الدوافع الغريزية

تعبر قوة الهذا عن الهدف الحقيقي لحياة الفرد العضوية وتنزع إلى إشباع حاجات هذا الفرد الفطرية. ولا يُعنى الهذا بحفظ الحياة ولا باتقاء الأخطار. فهاتان المهمتان الأخيرتان تقعان على عاتق الانا الذي يتعين عليه أيضاً ان يكتشف أنسب وسيلة وأقلها خطراً للفوز بإشباع، مع أخذ مقتضيات العالم الخارجي بعين الاعتبار. اما الانا الأعلى، فعلى الرغم من أنه يمثل حاجات أخرى أيضاً، فإن مهمته الأساسية تبقى على الدوام كبح الإشباعات.

اننا نطلق على القوى التي تعمل خلف حاجات الهذا الآسرة، والتي تمثل في النفسية المتطلبات البدنية، اسم الدوافع الغريزية. وهذه الدوافع محافظة بطبيعتها، رغم انها تشكل العلة الأخيرة لكل نشاط. وبالفعل، ان كل حالة يبلغها يوما الكائن تنزع إلى إعادة فرض ذاتها حالما تُترك. ويسعنا أيضاً ان نميز عددا غفيرا من الدوافع الغريزية، وهذا ما هو واقع فعلاً. على أن ما يهمنا هو أن نعرف ان لم يكن في الإمكان اختزال هذه الدوافع الغريزية العديدة إلى عدد محدود من الدوافع الغريزية الأساسية. وقد تعلمنا ان الدوافع الغريزية يمكن ان تغير هدفها (بالنقل)، وانها قابلة أيضاً لأن ينوب بعضها مناب بعض، إذ يمكن لطاقة أحد الدوافع ان تتحول إلى دافع آخر. وهذه الظاهرة الأخيرة لا تزال منقوصة التفسير. وبعد طول تردد وطول اخذ ورد، قر قرارنا على التسليم بوجود غريزتين أساسيتين فقط: الايروس[5] وغريزة التدمير (وتقع في نطاق الايروس غريزتا حفظ الذات وحفظ النوع المتعارضتان، وكذلك غريزتا حب الذات والحب الموضوعي[6]، المتناقضتان بدورهما). وهدف الايروس إنشاء وحدات متعاظمة الحجم باستمرار بغية صونها، وبكلمة واحدة، هدف ربطي. أما هدف الغريزة الأخرى، على العكس، فهو فصم الروابط كافة، وبالتالي تدمير كل شيء. ومباح لنا ان نفترض ان الهدف النهائي لغريزة التدمير إرجاع الحي إلى الحالة اللاعضوية، ولهذا نسميها غريزة الموت. فلئن سلمنا بأن الكائن الحي لم يظهر إلا بعد المادة الهامدة، وأنه منها خرج، فلا محيد لنا عن الاستنتاج من ذلك أن غريزة الموت تنصاع للقاعدة المتقدم ذكرها والتي تنص على ان كل غريزة تنزع إلى إعادة حالة سابقة. اما بالنسبة إلى الايروس، غريزة الحب، فليس لنا ان نطبق عليها القاعدة عينها لأننا لو فعلنا لكان هذا معناه اننا نصادر على ان الجوهر الحي، بعد ان شكل في البداية وحدة، تجزأ في وقت لاحق، ثم بات ينزع إلى معاودة الالتئام من جديد[7].

ان الغريزتين الأساسيتين تتعارضان أو تتراكبان في الوظائف البيولوجية. ففعل الأكل مثلا يستلزم تدمير موضوع ما، على أن يعقبه تمثل هذا الموضوع. أما الفعل الجنسي فهو عدوان ينزع إلى تحقيقي أوثق اتحاد. هذا التوافق وهذا التناحر بين الغريزتين الأساسيتين يخلعان على ظاهرات الحياة كل التنوع الذي هو سمة مميزة لها. وإذا تجاوزنا مضمار الحياة العضوية وجدنا تناظر غريزتينا الأساسيتين يفضي إلى الزوج المتناقض: التجاذب والتنافر، الذي يهيمن على العالم اللاعضوي[8].

ان كل تعديل يطرأ على نسبة انصهار الغريزتين تكون له أظهر النتائج. ففرط العدوانية الجنسية يقلب المحب إلى قاتل سادي، والنقصان الكبير في هذه العدوانية عينها يحيله خجولاً أو عنيناً.

ولا مجال لحصر أي من الغريزتين الأساسيتين في منطقة بعينها من مناطق النفسية، إذ نلتقيهما حتما في كل مكان. وهاكم كيف نتصور الحالة البدئية: فقد كانت كل الطاقة المتاحة للايروس، التي سنسميها من الآن فصاعداً بالليبيدو، موجودة في الأنا - الهذا غير المتمايز بعد، وكانت تعمل على تحييد النوازع التدميرية الماثلة فيه بدورها (لا نملك بعد مصطلحا مماثلاً لمصطلح "الليبيدو" للإشارة إلى طاقة الغرائز التدميرية). ويغدو سهلاً علينا نسبياً بعد ذلك ان نتتبع المصائر اللاحقة لليبيدو. أما فيما يتصل بغريزة التدمير، فإن هذا التتبع أشد عسراً.

فما دامت هذه الغريزة تعمل في الداخل بوصفها غريزة موت، فإنها تظل خرساء ولا تظهر لنا إلا لحظة تتحول إلى الخارج بوصفها غريزة تدمير. ويبدو ان هذا التمويه ضروري لحفظ الفرد، والجهاز العضلي هو الذي يتولى الأمر. ففي زمن تكوّن الأنا الأعلى، تتثبت تراكمات كبيرة من غريزة العدوان في داخل الأنا وتعمل فيه كعناصر تدمير ذاتية وذلك هو أحد الأخطار التي تتهدد سلامة النفسية والتي يعرض الإنسان نفسه لها حين يسلك طريق الحضارة. وبالفعل، إن كبح المرء جماح عدوانيته لهو بوجه عام ضار ومسبب للمرض. وكثيراً ما نلاحظ تحول عدوانيته مكبوحة إلى تدمير ذاتي لدى فرد يقلب عدوانه إلى ذاته، فيشد في سورة الغضب شعره أو يلطم وجهه بقبضتيه. ومن المحقق ان هذا الفرد كان يؤثر ان يعامل بهذه المعاملة شخصاً غيره. ويبقى على كل حال قسم من التدمير الذاتي في داخل الفرد إلى ان يقتله في خاتمة المطاف، وربما لا يكون ذلك إلا بعد ان تُستنفد طاقته الليبيدوية بتمامها أو تتثبت على نحو ضار. وهكذا يباح لنا أن نفترض ان الفرد يموت بسبب منازعاته الداخلية، بينما لا يسقط النوع، على العكس، إلا بعد صراع فاشل ضد العالم الخارجي، وحين يتغير هذا العالم تغييراً لا تعود تكفي معه التكيفات المكتسبة.

من العسير ان نصف مسلك الليبيدو في الهذا وفي الأنا الأعلى. فكل ما نعرفه يخص الأنا حيث تتراكم، من البداية، كل الكمية المتاحة من الليبيدو. وعلى هذا الوضع نطلق اسم النرجسية الأولية المطلقة. وهو يدوم الا ان يشرع الأنا بتوظيف الليبيدو في تمثلاته الموضوعية، وبتحويل الليبيدو النرجسي إلى ليبيدو موضوعي. ويبقى الأنا، مدى الحياة كلها، المستودع الكبير الذي منه تنطلق التوظيفات الليبيدوية نحو المواضيع والذي إليه ترتد أيضا على نحو ما تفعل كتلة وذفية[9]حين تمد أو تسحب شواها الكاذبة (Pseudopodia) وإنما في ملاء حالات الحب فقط يتحول الشطر الأعظم من الليبيدو إلى الموضوع، ويحل هذا الأخير، إلى حد ما، محل الأنا. ومن خصائص الليبيدو الهامة الأخرى حركيته، أي اليسر الذي ينتقل به من موضوع إلى أخر. ويقال، على العكس من ذلك، ان الليبيدو يتثبت حين يعلق، أحياناً طول الحياة، ببعض المواضيع الخاصة.

مما لا جدال فيه ان لليبيدو مصادر بدنية، وانه ينتشر في الانا بدءاً من أعضاء ومواضع مختلفة في الجسم. وهذا ما يتجلى أوضح التجلي في ذلك الشق من الليبيدو الذي يعرف، بمقتضى هدفه الغريزي، بالتهيج الجنسي. ويطلق اسم المناطق الشهوية (zones erogenous) على تلك الأجزاء من الجسم التي منها ينطلق بصورة رئيسية هذا الليبيدو، غير ان الجسم برمته يشكل، والحق يقال، منطقة شهوية. ومما أتاح لنا بوجه الخصوص ان نعرف الايروس، ومن ثم ممثله: الليبيدو، دراسة الوظيفة الجنسية التي تتطابق في عرف الجمهور، بله في نظرياتنا العلمية أيضاً، مع الايروس، وقد تأتي لنا أن نتبين الكيفية التي يتطور بها رويداً رويداً النازع الجنسي، الذي له ذلك الدور البالغ في حياتنا، بدءاً من دوافع غريزية جزئية عدة تمثل مناطق شهوية خاصة شتى.

الفصل الثالث: تطور الوظيفة الجنسية

تنزع الجنسية البشرية، في عرف التصور الأكثر شيوعاً بين الناس، إلى تحقيق الاتصال في المقام الأول بين الأعضاء الجنسية لفردين من جنس مختلف. وتعد القبلات والنظر إلى جسم الشريك ولمسة تظاهرات ثانوية وأفعالاً تمهيدية. والمفروض بالنازع الجنسي ان يظهر عند البلوغ، أي في زمن النضج الجنسي، وأن يكون هدفه التناسل. غير ان بعض الوقائع، المعروفة جيداً، لا تدخل في الإطار الضيق لمثل هذا التصور:

                          1.فمما يسترعي الانتباه ان بعض الأشخاص لا يشعرون بانجذاب إلا نحو أفراد من نفس جنسهم وإلا نحو الأعضاء التناسلية لهؤلاء الأفراد.

                          2.مما يسترعي الانتباه أيضاً ان اللذة التي تساور بعض الأفراد لا تصدر، وان حافظت على طابع جنسي تام، عن المناطق التناسلية أو لا تستخدمها بصورة عادية. ويسمى هؤلاء الأشخاص بالمنحرفين.

                          3.من الواضح، أخيراً، ان بعض الأطفال، الذين يعدون لهذا السبب منحطين، يهتمون في وقت مبكر للغاية بأعضائهم التناسلية التي تظهر عليها علائم تهيج.

لا عجب ان يكون اكتشاف هذه الوقائع الثلاث المغفلة قد أثار ضجة. فالتحليل النفسي، الذي أبرزها وشدد عليها، عاكس تيار الأفكار الرائجة شعبياً، ومن هنا جوبه بمعارضة عنيفة. وهاكم النتائج الرئيسية لذلك الاكتشاف.

                          1.ان الحياة الجنسية لا تبدأ في عهد البلوغ، بل تعلن عن نفسها في زمن مبكر جداً عقب الولادة.

                          2. من الضروري التمييز بدقة بين مفهوم الجنسي ومفهوم التناسلي. فلفظة الجنسي لها معنى أوسع بكثير، وهي تطال وجوها عدة من النشاط لا ضلع لها بالأعضاء التناسلية.

                          3. تتضمن الحياة الجنسية الوظيفة التي تتيح الظفر بلذة من مناطق شتى في الجسم؛ وهذه الوظيفة يفترض فيها في وقت لاحق ان توضع في خدمة التناسل. غير ان هاتين الوظيفتين لا تتطابقان على الدوام تمام التطابق.

ان الأطروحة الأولى، التي هي أبعد الاطروحات الثلاث عن التوقع، هي أيضاً أولاها بالاستثئار بأعظم الاهتمام. فلئن أنكرت صفة "الجنسية" على بعض وجوه النشاط لدى صغار الأطفال، فليس ذلك إلا نزولا عند حكم رأي مسبق قديم. فوجوه النشاط هذه ترتبط بظاهرات نفسية لا نعتم ان نلتقيها، في زمن لاحق، في حياة الراشدين الحبية كالتثبيت، مثلا، على موضوع خاص، أو الغيرة، الخ. ونلحظ أيضاً ان ظاهرات الطفولة الأولى هذه تتطور وفق قواعد معينة، ويطرد تناميها وصولاً إلى آخر السنة الخامسة من العمر، حيث تبلغ ذروتها لتتوقف بعد ذلك لحين من الزمن. وعند تلك المرحلة يقف التقدم، وتقع جملة من الأشياء في لجة النسيان وتتراجع القهقرى. وبعد هذه المرحلة التي يقال لها مرحلة الكمون، تعاود الجنسية ظهورها عند البلوغ، بل يسعنا القول إنها تزهر من جديد. الحقيقية التي تواجهنا إذن هنا هي ان الحياة الجنسية ثنائية الطور في توطدها، وهذه ظاهرة لا تلحظ إلا عند الإنسان وحده، ودورها في صيرورة هذا الأخير كبيرا ولا شك[10].

وتخضع جميع أحداث هذه المرحلة المبكرة من النشاط الجنسي، خلا استثناءات نادرة، للنساية الطفلية، وهذه ظاهرة لا يجوز ان تقابل منا بعدم الاكتراث. وبالفعل، ان ملاحظة هذه النساية هي التي أتاحت لنا أن نكون فكرة عن أسباب الاعصبة وان نضع طريقتنا في العلاج التحليلي. وعلاوة على ذلك، أمدتنا دراسة السيرورات التطورية في طور الطفولة ببراهين تؤيد استنتاجات أخرى.

ان أول عضو يعلن عن نفسه كمنطقة شهوية ويطرح مطالب ليبيدوية على النفسية هو، منذ الولادة، الفم. فكل النشاط النفسي يتركز أولاً على إشباع حاجات هذه المنطقة. ولا شك في ان التغذية تشبع، قبل كل شيء، حاجة حفظ الذات. لكن لنحاذر الخلط بين الفيزيولوجيا والسيكولوجيا. فالطفل يدلل في وقت مبكر جداً، بتشبثه بالمص، على ان فعله هذا يعود عليه بالرضى. وهذا الشعور بالرضى، وان استمد أصله من التغذية، يبقى مع ذلك مستقلاً. وما دامت الحاجة إلى المص تنزع إلى توليد لذة، فمن الممكن ومن الواجب أن توصف بأنها جنسية.

ومنذ هذا الطور الفموي، ومع ظهور الأسنان الأولى، تبرز بعض الدوافع الغريزية السادية بصورة منعزلة. ويزداد بروزها زيادة كبيرة في الطور الثاني، الذي نسميه بالطور السادي - الشرجي، لان الشعور بالرضى يتأتى من العدوان ومن الوظيفة الإخراجية. ولئن خولنا أنفسنا الحق في إدراج النوازع العدوانية في الليبيدو، فذلك لأننا نعتقد أن السادية مزيج من دوافع غريزية ليبيدوية خالصة  ومن نوازع تدميرية خالصة، وهو مزيج يدوم أبد العمر[11].

أما الطور الثالث الذي نسميه بالقضيبي فيسبق مباشرة الحالة النهائية للحياة الجنسية ويكون بينه وبينها شبه كبير. ولنلحظ ان الأعضاء التناسلية الذكرية (القضيب) هي وحدها التي تلعب في هذا الطور دوراً. أما الأعضاء التناسلية الأنثوية فتبقى ردحاً طويلا من الزمن مجهولة؛ ذلك ان الطفل، حينما يسعى إلى فهم الظاهرات الجنسية، يأخذ بنظرية المخرج[12]الموقرة، وهي نظرية لها ما يبررها من وجهة النظر التكوينية[13].

مع الطور القضيبي وفي أثنائه تدرك الجنسية الطفلية ذروتها وتقترب من طور أفولها. ومن الآن فصاعداً سيختلف مصير كل من الصبي والبنت. فقد بدأ كلاهما بأن وضع نشاطه الذهني في خدمة الاستقصاء الجنسي، وأخذ كلاهما بفرضية عمومية القضيب. غير أن الطريقين اللذين يسير فيهما الجنسان سيفترقان. فالصبي الصغير يدخل في الطور الاوديبي ويشرع بمعابثة قضيبه ويرفق هذه المعابثة بتخيلات ذات صلة بنشاط جنسي موضوعه الأم. غير ان الصبي الصغير لا يعتم تحت تأثير صدمتين متزامنتين: التهديد بالخصاء وملاحظة فقدان المرأة للقضيب، ان يتعرض لأعظم رضة في حياته، وهي الرضة التي تعقبها لاحقا مرحلة الكمون بكل نتائجها. اما الفتاة الصغيرة فبعد محاولات فاشلة لتقليد الصبي تدرك فقدانها للقضيب أو بالأحرى دونية بظرها، الأمر الذي يكون له آثار دائمة في تكوين طبعها؛ فهذه الخيبة الأولى في مضمار المنافسة تجعلها تعزف في كثير من الأحيان عن الحياة الجنسية عزوفاً تاماً.

من الخطأ أن نحسب أن هذه المراحل الثلاث ذات حدود مرسومة بوضوح، فقد توازي واحدتها الأخرى أو قد تتداخل معها أو قد تتطابق، وفي الأطوار المبكرة تعمل شتى الدوافع الغريزية الجزئية بصورة مستقلة عن بعضها بعضاً في سبيل كسب مقدار من اللذة. وإنما في أثناء الطور القضيبي ترضخ النوازع الأخرى لزعامة الأعضاء التناسلية ويندمج الطلب العام للذة بالوظيفة الجنسية. ولا يكتمل التنظيم إلا مع البلوغ، وفي طور رابع، هو الطور التناسلي. وتجري الأمور في هذا الطور على النحو الآتي: 1- تبقى توظيفات قديمة، شتى لليبيدو قائمة؛ 2- تندمج توظيفات أخرى في الوظيفة الجنسية لتشكل الأفعال الثانوية أو التمهيدية التي ينشأ عن إشباعها ما يمسى باللذة التمهيدية؛ 3- يجري استبعاد نوازع أخرى، إما بالقمع الشامل (الكبت)، وإما بتعديل دورها في الأنا؛ فتشكل بعض سمات طبعية أو تخضع لإسماء مصحوب بنقل للهدف.

لا تتم هذه السيرورة على الدوام بلا ضرر، وضروب الكف التي تعيق مجراها تتظاهر في شكل اضطرابات مختلفة في الحياة الجنسية. عندئذ يبقى الليبيدو مثبتاً على الحالات المميزة للأطوار المبكرة من النمو، وتحدث ضروب شتى من الحيدان عن الهدف السوي تسمى بالانحرافات. وتقدم لنا الجنسية المثلية السافرة مثالاً على اضطرابات التطور هذه ويبين التحليل ان هناك على الدوام رابطاً موضوعياً جنسياً مثلياً، وكل ما هنالك ان هذه الجنسية المثلية تبقى في اغلب الحالات كامنة. والسيرورات التي تؤدي إلى قيام حالة سوية لا تتحقق أبداً بتمامها كما لا تنعدم أبداً بتمامها. فليس لها إجمالا سوى طابع جزئي، بحيث يتوقف المال النهائي على علاقات كمية. وواضح للعيان مدى تعقيد هذا الوضع. وهكذا فإن التنظيم التناسلي وان قام، غير أنه يظل محروماً من جميع أجزاء الليبيدو التي لم يقيض لها التطور والتي لبثت مثبتة على المواضيع والأهداف القبتناسلية[14]. ويتجلى هذا الضعف، في حالات عدم الإشباع الجنسي أو العقبات الفعلية، في نزوع الليبيدو إلى التراجع نحو التوظيفات القديمة القبتناسلية، أي إلى النكوص.

لقد انتهينا، في أثناء دراستنا الوظائف الجنسية، إلى اقتناع أول ومسبق، أو بتعبير أدق، إلى اشتباه أول بصدد نقطتين تبدو أهميتهما، في هذا المضمار كله، كبيرة. أولاً، ان الظاهرات السوية أو غير السوية التي نلاحظها (وتلك هي الفينومينولوجيا) تقتضي ان توصف من الزاوية الدينامية أو الاقتصادية (في الحالة التي نحن بصددها يتعين علينا ان نسعى إلى معرفة التوزيع الكمي لليبيدو). ثانياً، ان أسباب الاضطرابات التي ندرسها تتكشف في تاريخ تطور الفرد، أي في طفولته.

الفصل الرابع: الكيفيات النفسية

وصفنا بنية الجهاز النفسي، والطاقات أو القوى التي تفعل فيه. ورأينا، من خلال مثال بيِّن، كيف تنتظم هذه الطاقات، وفي المقام الأول الليبيدو، في وظيفة فيزيولوجية هدفها حفظ النوع. على ان هذا كله لم يكن له طابع نفسي نوعي، فيما خلا، بطبيعة الحال، الواقعة التالية التي يمكن التحقق منها بالتجربة: وهي ان الجهاز والطاقات المشار إليها هي بمثابة الأساس بالذات للوظائف التي تعرف بالوظائف النفسية وعليه، فلننظر الآن في ما هو، في عرف التصور الشائع، سمة موقوفة على الظاهرة النفسية، في ما يجعل منها ظاهرة فريدة في نوعها.

ان نقطة الانطلاق لبحثنا تتيحها لنا واقعة منقطعة النظير، لا سبيل إلى تفسيرها أو وصفها: هي الشعور. ومع ذلك، حالما يدور الكلام عن الشعور، يعرف كل واحد للحال، وبالخبرة، ما المقصود به[15][. ويقنع الكثيرون من الناس، سواء كانوا من العاملين أم غير العاملين في الأوساط العلمية، بالافتراض ان الشعور هو وحده قوام النفسية كلها، وان ليس لعلم النفس بالتالي من مهمة في هذا الحال غير ان يميز، في داخل نطاق الفينومينولوجيا النفسية، بين الادراكات والاحساسات والسيرورات الذهنية والأفعال الإرادية، ومع ذلك يتفق رأي الجميع على ان السيرورات الشعورية لا تشكل سلسلة متصلة مكتملة، وهذا ما يوجب التسليم بوجود سيرورات فيزيقية أو بدنية مصاحبة للظاهرات النفسية، وأدنى إلى الاكتمال من سلاسل هذه الأخيرة، إذ يشتمل بعضها على سيرورات شعورية موازية بينما لا يشتمل بعضها الآخر على شيء من هذا. يبدو طبيعياً إذن ان نلح في علم النفس على هذه السيرورات البدنية، وان نرى فيها خاصية ما هو نفسي صرف، وأن نحاول تقييم السيرورات الشعورية تقييماً مغايراً. بيد ان اغلب الفلاسفة وكثيرين سواهم، يثورون على هذه الفكرة ويعلنون ان المصادرة على وجود نفسية لاشعورية خُلْف وإحالة.

ومع ذلك، فهذا بالضبط ما يتعين على التحليل النفسي ان يفعله، وتلكم هي بالتحديد فرضيته الأساسية الثانية. فهو يؤكد ان السيرورات المصاحبة التي يُزعم انها من طبيعة بدنية هي بالتحديد قوام النفسية، ولا يشغل نفسه بادئ الأمر بصفة الشعور ولا ينفرد التحليل النفسي أصلا بإبداء هذا الرأي. فقد افصح مفكرون آخرون. ومنهم مثلاً ت. ليبيس (Lipps)، عن وجهة نظر مماثلة في ألفاظ مماثلة؛ ونظراً إلى أن التصور الشائع عن ماهية النفس لا يرضي الفكر، فقد كان من المحتم ان تفرض فكرة وجود لاشعور نفسها بمزيد من القوة على علم النفس، لكن على نحو شديد الإبهام والغموض، مما شلها عن التأثير في العلم[16].

قد يميل المرء إلى أن يرى هذا الخلاف بين التحليل النفسي والفلسفة مجرد مسألة تنصب على التعريف: "فأي سلسلة من سلاسل الظاهرات ينبغي ان نختصها بالوصف بأنها "نفسية"؟

والواقع أن هذه المسألة ارتدت اعظم الأهمية. فعلى حين ان علم نفس الشعور ما كان يسعه قط الخروج من نطاق هذه السلاسل المليئة بالثغرات والمرتبطة بكل وضوح بشيء آخر، فإن المفهوم القائل ان العنصر النفسي هو في ذاته لاشعوري أتاح لعلم النفس ان يصير فرعاً، مشابهاً لغيره من الفروع، من العلوم الطبيعية. فالظاهرات التي يدرسها علم النفس هي في ذاتها ليست اكثر قابلية للمعرفة من الظاهرات التي تدرسها العلوم الأخرى، كالكيمياء أو الفيزياء مثلاً، لكن من الممكن تعيين القوانين التي تحكمها وإخضاع علاقاتها المتبادلة وارتهان بعضها ببعضها الآخر للملاحظة على نطاق واسع وبلا ثغرات.

وهذا ما يسمى بالوصول إلى "فهم" هذه  الفئة من الظاهرات الطبيعية؛ وهو أمر يقتضي خلق فروض ومفاهيم جديدة؛ على أنه يجوز ان نعد هذه الفروض والمفاهيم المستحدثة أدلة على ما نتخبط فيه من حرج بل ينبغي ان نرى فيها إغناء لمعارفنا. ويخلق بنا ان ننظر إليها من الزاوية عينها التي ننظر منها إلى فروض العمل التي تلجأ إليها في العادة علوم طبيعية أخرى، وان نعزو إليها القيمة التقريبية نفسها. وإنما من التجارب المتراكمة والمنتخبة تنتظر هذه الفروض تعديلاتها ومبرراتها، كما تتوقع تعيينا اكثر دقة ووضوحاً. فهل لنا ان نعجب ان بقيت المفاهيم الأساسية للعلم الجديد (الدافع الغريزي، الطاقة العصبية، الخ)، بل مبادئه بالذات، بعيدة لأجل مديد من الزمن عن التعيين، مثلها في ذلك مثل مفاهيم العلوم الأقدم عهداً (القوة، الكتلة، الجاذبية، الخ)؟

ان كل علم يستند إلى مشاهدات وتجارب ينقلها إلينا جهازنا النفسي، لكن بما ان هذا الجهاز عينه هو موضوع دراستنا، فان المماثلة تقف عند هذا الحد. فمشاهداتنا نجريها بمساعدة جهاز الإدراك عينه، ونحن نعتمد تحديداً على قطع الاتصال في سلاسل السيرورات النفسية. وبالفعل، اننا نردم الفجوات باستدلالات معقولة مقبولة، ونترجمها إلى مادة شعورية. وبعلمنا هذا نضيف، ان جاز التعبير، إلى الظاهرات النفسية اللاشعورية سلسلة متممة من الوقائع الشعورية. ويقوم اليقين النسبي لعلمنا عن النفسية على القوة الاقناعية لاستدلالاتنا. ومن يبغ التعمق في هذه المسألة فسيجد أن تقنيتنا تصمد بقوة أمام كل نقد.

ينجذب اهتمامنا، في أثناء عملنا، نحو بعض التمايزات التي تشكل ما نسميه بالكيفيات النفسية. ولا حاجة بنا إلى ان نشرح هنا ما نسميه بالشعور، فهو عينه الشعور لدى الفلاسفة ولدى الجمهور العريض[17]. وكل ما عداه من النفسية، هو في رأينا، اللاشعور. ولن نجد مفراً من أن نجري في هذا اللاشعور تمييزاً هاماً. فعدد من السيرورات تغدو، بالفعل، شعورية بسهولة، ثم تكف عن أن تكون شعورية لتعود فتصبح كذلك من جديد بلا عناء. فهي تستطيع، كما يقال، ان ترجع إلى الذاكرة وأن تستعاد وتُستظهر. ولا يغب عنا أن الحالة الشعورية هي من اكثر الحالات سرعة زوال، إذ لا يبقى الشعوري شعورياً إلا لهنيهة من الزمن. ولئن لم تؤيد ادراكاتنا هذه الواقعة، فليس لنا ان نرى في ذلك سوى تناقض ظاهر مرده إلى ان التنبيهات يمكن ان تدوم زمناً ما، بحيث يتأتى لإدراكنا لها ان يتكرر طوال هذا الزمن. ويتوضح هذا الوضع متى تفحصنا الإدراك الشعوري لسيروراتنا التفكيرية، فصحيح ان هذه السيرورات قابلة لأن تدوم، لكنها قابلة أيضاً لأن تتوقف في مثل لمح النظر. وسوف نقول في هذا القسم من اللاشعور، الذي يبقى لاشعوريا تارة، ويغدو شعورياً طوراً، إنه "قابل لان يصير شعورياً"، وسوف نحبذ ان نطلق على اسم القبشعور[18]. وتدل التجربة انه لا وجود تقريباً لسيرورة نفسية، مهما تكن معقدة، لا يمكن لها أحياناً ان تبقى قبشعورية، وان كانت تسعى في العادة إلى الدلوف إلى الشعور، كما نقول.

ثمة سيرورات أو مضامين نفسية أخرى تواجه صعوبة اكبر في الدلوف إلى الشعور. ولا مفر من أن تُستنتج وتُكتشف ويُعثر لها على ترجمتها الشعورية. ولها تحديداً نحتفظ باسم اللاشعور بحصر المعنى. اننا نعزو إذن إلى السيروات النفسية كيفيات ثلاثاً: فهي إما شعورية وأما قبشعورية وإما لا شعورية. والتمييز الذي يمكن ان يصير شعورياً، بلا تدخل من قبلنا. واللاشعوري يمكن أن يصبح، بفضل جهودنا، شعورياً، وكثيراً ما يتراءى لنا في هذه الحال أنه يتعين علينا، للوصول إلى ذلك، التغلب على مقاومات بالغة الشدة. وعندما نقوم بهذه المحاولة على شخص آخر يخلق بنا أن نتذكر أنه لا يكفينا ان نردم فجوات إدراكاته، واننا إذ نتيح له ان يعيد بناء الأحداث لا نكون أفلحنا بالضرورة في تحويل المواد اللاشعورية المعينة عنده إلى مواد شعورية. والحق ان هذا المضمون يكون مزدوج التثبيت في نفسيته، أولا في إعادة البناء الشعوري الذي أتحناه له، وثانياً في الشكل البدائي اللاشعوري. وبمواصلتنا مجهودنا نتوصل في العادة إلى تحويل المضمون اللاشعوري إلى مضمون شعوري، فيتطابق عندئذ التثبيتان. وتتيح لنا شدة جهودنا أن نقيس المقاومة التي تعترض سبيل التحول إلى الشعور والتي تتفاوت من حالة إلى أخرى. كذلك فإن النتيجة التي نظفر بها بعد لأي في أثناء العلاج التحيلي يمكن أن تحدث بصورة تلقائية أيضاً، وذلك عندما ينقلب أحياناً مضمون لاشعوري في العادة إلى مضمون قبشعوري ثم يصبح شعورياً، وهذا ما يحدث في الحالات الذهانية على نطاق واسع. ومن ذلك نستنتج ان بقاء بعض المقاومات الداخلية هو واحد من شروط الحالة السوية. وفي أثناء النوم بصفة عامة ترتفع المقاومات ويندفع بنتيجة ارتفاعها المضمون اللاشعوري، فتتاح بالتالي للأحلام إمكانية التكون. وعلى العكس من ذلك، قد يحدث ان يبقى المضمون القبشعوري بعيد المنال لأمد من الزمن، إذ تعترض بعض المقاومات سبيل تحوله إلى الشعور، كما في حالة النسيان العابر (الهفوات). وكذلك قد ترتد الفكرة القبشعورية بصورة مؤقتة إلى الحالة اللاشعورية، وذلك هو شرط النكتة فيما يبدو. وسوف نرى ان هذا الضرب من ارتداد المضامين (أو السيرورات) إلى الحالة اللاشعورية يلعب دوراً هاماً في نشوء الأمراض العصابية.

ان نظرية الكيفيات الثلاث النفسية تبدو، في هذا الشكل العام والمبسط الذي قدمناها به، وكأنها عامل تشويش للأشياء لا عامل توضيح. بيد أنه يخلق بنا ألا ننسى أنها ليست نظرية بحصر المعنى، بل هي مجرد تقرير أولي عن وقائع مشاهدة، يسعى لا إلى تفسير هذه الوقائع، بل إلى الإحاطة بها عن أقرب قرب ممكن. ومن شأن، التعقيدات التي تتكشف لنا على هذا النحو ان تظهر للعيان كثرة العقبات التي تتعثر بها أبحاثنا. على أن كل شيء يحملنا على الاعتقاد ان معرفة العلاقات التي تقوم بين كيفيات النفسية وبين أقاليم الجهاز النفسي أو هيئاته التي نصادر على وجودها ستتيح لنا فهماً افضل للأشياء، وان تكن هذه العلاقات بعيدة بدورها عن البساطة.

ان فعل الشعور يتعلق قبل كل شيء بالادراكات التي تتلقاها أعضاء حواسنا من الخارج. هذه الظاهرة تحدث إذن، من وجهة النظر الطوبوغرافية، في الطبقة اللحائية الأكثر خارجية من الأنا. ونحن لا ننكر ان بعض المعلومات الشعورية تأتينا أيضاً من داخل جسمنا، وتتمثل بالمشاعر التي لها على حياتنا النفسية تأثير اعظم وقعاً بعد من الادراكات الخارجية. وأخيراً تصدر عن أعضاء الحواس، في ظروف شتى، علاوة على إدراكاتها الخاصة بها، مشاعر وأحاسيس مؤلمة. وهذه الانطباعات، كما نسميها تمييزاً لها عن الادراكات الشعورية، تنبعث أيضاً من أعضائنا الطرفية. والحال اننا نعتبر هذه الأعضاء استطالات لتشعبات الطبقة اللحائية، الأمر الذي يتيح لنا ان نتمسك بوجهة النظر التي تقدم بيانها. وحسبنا ان نقول ان الجسم عينه ينوب مناب العالم الخارجي بالنسبة إلى الأعضاء الطرفية، المستقبلية للأحاسيس والمشاعر.

لكم كان الأمر سيبدو بسيطاً لو أمكن لنا ان نعين موقع السيرورات الشعورية في محيط الأنا، وموقع كل الباقي اللاشعوري في الأنا، وربما كان هذا واقع الحال لدى الحيوانات؛ غير ان الأمور اكثر تعقيداً لدى الإنسان بالنظر إلى وجود عمليات باطنة في الأنا قابلة أيضاً لان تغدو شعورية. واللغة هي التي تتيح إمكانية إقامة ارتباط وثيق بين مضامين الأنا والبقايا الذاكرية من الادراكات البصرية وعلى الأخص السمعية. ومن هنا يكون المحيط الادراكي للطبقة اللحائية قابلاً للتنبيه، من الداخل، على نطاق أوسع بكثير. ومن الممكن أيضاً لبعض السيرورات الباطنة، نظير تيارات التمثلات والسيرورات التفكيرية، ان تغدو شعورية. ولذلك يقوم جهاز خاص يوكل إليه التمييز بين الاحتمالين. وهو الذي يتولج بما نسميه امتحان الواقعية. وبذلك تبطل معادلة الإدراك- الواقع (العالم الخارجي). كما ان الأخطاء، التي تحدث من الآن فصاعداً بيسر وسهولة، والتي لا يكاد يخلو منها في العادة حلم، تسمى بالهلوسات.

ان كيفية داخل الأنا، الذي يحتوي في المقام الأول، على السيرورات التفكيرية، هي القبشعور. والقبشعور سمة مميزة للأنا وموقوفة عليه حصراً. على أنه يصح الافتراض بأن الارتباط بالآثار الذاكرية للكلام هو شرط الحالة القبشعورية، فهذه الحالة مستقلة بالأحرى عن شرط كهذا، على الرغم من أن انشراط سيرورة ما بالكلام يتيح لنا أن نستنتج على وجه اليقين ان هذه السيرورة من طبيعة قبشعورية. ان الحالة القبشعورية، المتسمة من جانب أول بالقدرة على بلوغ الشعور، ومن الجانب الثاني بارتباطها بالآثار الكلامية، لهي حالة خاصة لا تستنفد هاتان الصفتان طبيعتها. وبرهاننا على ذلك ان أجزاء كبيرة من الأنا، وعلى الأخص من الانا الأعلى، الذي لا يمكن أن ننكر عليه طابعه القبشعوري، تبقى بالإجمال لاشعورية، بالمعنى الوصفي للكلمة. واننا لنجهل العلة التي تعّين ان يكون الأمر كذلك، ولسوف نحاول فيما بعد أن نتصدى لمعضلة الطبيعة الحقيقية للقبشعور.

اما اللاشعور فهو الكيفية الوحيدة السائدة داخل الهذا. وتجمع بين الهذا واللاشعور روابط وثيقة مماثلة لتلك التي تربط بين الانا والقبشعور، بل ان الرابط هنا اكثر حصرية. ولو القينا نظرة استرجاعية على تاريخ فرد من الأفراد وعلى تاريخ جهازه النفسي، لتأتى لنا ان نجري في الهذا تمييزاً هاماً ففي الأصل كان الهذا هو كل شيء. وقد تطور الانا بدءاً من الهذا تحت التأثير المتصل للعالم الخارجي. وفي أثناء هذا التطور الوئيد انتقلت بعض مضامين الهذا إلى الحالة القبشعورية، فاندمجت على هذا النحو بالأنا. بينما بقيت مضامين أخرى بلا تغيير في الهذا، فشكلت نواته التي يعسر النفاذ إليها. غير أن الانا الفتي والضعيف نبذ إلى اللاشعور، في خلال هذا التطور، بعض المضامين التي سبق له ان دمجها، وسلك المسلك عينه حيال انطباعات جديدة عدة كان في مقدوره استقبالها، بحيث ما تسنى لهذه الانطباعات المنبوذة ان تخلف أثراً إلا في الهذا. وإنما على هذا القسم من الهذا نطلق، بالنظر إلى أصله، اسم المكبوت، ولا يتأتى لنا على الدوام أن نميز تمييزاً دقيقاً واضحاً بين هذين الضربين في مضمون الهذا، وليس هذا بأمر ذي بال أصلاً، حسبنا ان نقول ان الهذا يتضمن مضامين فطرية ووقائع مكتسبة في مجرى تطور الأنا.

نحن نسلم إذن بانقسام طوبوغرافي للجهاز النفسي إلى أنا والى هذا، وهو انقسام يناظر كيفيتي القبشعور واللاشعور. ونحن نعتقد أيضاً ان هاتين الكيفيتين هما مجرد مؤشر إلى الفارق وليستا جوهره.

فما الطبيعة الحقيقية إذن للحالة التي تتجلى في الهذا بكيفيتها اللاشعورية، وفي الانا بكيفيتها القبشعورية، وما قوام هذا الاختلاف؟

اننا نقر بأننا لا ندري من الأمر شيئاً،  وليس ثمة سوى بصيص باهت يضيء الظلمات الدامسة لمعرفتنا. فهنا على وجه التحديد نقترب من اللغز الحقيقي للظاهرات النفسية الذي لم يجد حله بعد فجرياً على معطيات علوم طبيعية أخرى، نسلم بأن كمية معينة من الطاقة تفعل فعلها في الحياة النفسية، ولكن لا تتوفر لنا أية قرائن قمينة بأن تسمح لنا بمقارنة هذه الطاقة بغيرها. ويبدو أن الطاقة العصبية أو النفسية توجد في شكلين: وأحدهما سهل الحركة، وثانيهما، على العكس، مقيد. واننا لنتكلم عن توظيفات (investments) وعن توظيفات فائضة (surinvestments) للمضامين النفسية، بل نذهب إلى حد الافتراض بأن كل "توظيف فائض" يعين ضرباً من تركيب لسيرورات شتى، تتحول أثناءه الطاقة الحرة إلى طاقة مقيدة. وعند هذا الحد تتوقف معرفتنا، لكننا نعتقد جازمين ان الفارق بين الحالة اللاشعورية والحالة القبشعورية يرجع، بدوره، إلى علاقات دينامية مماثلة، وهذا قمين بأن يفسر لماذا يمكن لإحدى الحالتين ان تتحول، تلقائياً أو بجهودنا، إلى الأخرى.

لقد توصل العلم التحليلي، رغم كل هذه الشكوك، إلى تقرير حقيقة واقعة جديدة. فقد أبان ان السيرورات التي تدور في اللاشعور أو الهذا تخضع لقوانين مغايرة للقوانين التي تخضع لها السيروارات التي تدور في الانا القبشعوري. ونحن نطلق على مجمل هذه القوانين اسم السيرورة الأولية، بالتعارض مع السيرورة الثانوية التي تحكم ظاهرات القبشعور أو الأنا. وعلى هذا، تكون دراسة الكيفيات النفسية قد أثبتت في النهاية أنها ليست عقيمة كل العقم.

ترجمة: جورج طرابيشي


[1] يعرف بالـ id.

[2] ان هذا القسم الأقدم عهداً من أقسام الجهاز النفسي يبقى مدى الحياة أهمها إطلاقاً. ودراسته هي التي كانت بمثابة البداية للمبحث التحليلي النفسي.

[3] يعرف بالـ ego.

[4] يعرف بالـ super ego.

[5] ايروس: إله الحب عند الإغريق.

[6] الموضوعي (objectal): نسبة إلى الموضوع، طباق الذات، والحب الموضوعي هو حب الموضوع، حب ما ليس هو الذات، وبمعنى ما،  الحب الغيري.

[7] تخيل بعض الشعراء خرافات من هذا القبيل، لكن لا شيء في تاريخ المادة الحية يؤكد تخيلاتهم.

[8] كان الفيلسوف امبيذوكلس الاغريغنتي قد تنبى منذ القديم هذا التصور للقوى الأساسية أو الغرائز، وهو تصور لا يزال العديد من أنصار التحليل يقابلونه بالرفض.

[9] الوذفة أو البروتوبلازما: المادة الحية الأساسية في الخلايا الحيوانية والنباتية، وحركتها متمورة تمد أو تسحب فيها أقدامها (شواها) الكاذبة.

[10] ثمة فرضية تذهب إلى ان الإنسان تحدر من حيوان ثديي كان نضوجه الجنسي يتم في السنة الخامسة من عمره. ثم طرأ حدث خارجي كبير أخل بالتقدم المطرد للنوع وأوقف تطور الجنسية. وقد يكون هذا أيضاً اصل بعض الفروق الأخرى في الحياة الجنسية بين الإنسان والحيوانات، ومنها مثلاً انتقاء التأثير الموسمي على الليبيدو، واستخدام دور الحيض في العلاقات الجنسية.

[11] ينبغى ان نتساءل عما إذا كان إشباع الحوافز الغريزية التدميرية الخالصة حقيقةً بتوليد لذة، وعما إذا كان هناك تدمير بدون عناصر ليبيدوية. ولا يبدو ان إشباع الرغبات التي تتبقى في الانا من غريزة الموت يولد لذة ، على الرغم من ان المازوخية تمثل مزيجاً شبيهاً تماماً بالسادية.

[12] نظرية المخرج Cloaque: تصور طفلي يحسب ان الأطفال، نظير البراز، يولدون من "الخلف"، أي من الشرج. ويرتب المذهب التحليلي النفسي على هذا الخلط بين المهبل والشرج نتائج هامة، ومنها نفي الدور الشهوي للمهبل، وربط الجنس بالعدوان وبمشاعر الخوف عند الاتصال الجنسي.

[13] ذهب بعضهم تكراراً إلى أن التهيجات المهبلية يمكن أن تطرأ في وقت مبكر للغاية لكنها لا تعدو في الأرجح في هذه الحال ان تكون تهيجات بظرية، أي تهيجات في عضو مشابه للقضيب، وبذلك لا يسقط حقنا في وصف هذا الطور بأنه قضيبي.

[14] القبتناسلية: مصطلح يشير إلى المرحلة قبل التناسلية (presexual).

[15] يرى اتجاه متطرف، نظير السلوكية التي رأت النور في أميركا، أن بوسعه ان ينشئ علم نفس لا يقيم اعتباراً لهذه الواقعة الأساسية!

[16] في أوراق المؤلف التي نشرت بعد وفاته وجدت صياغة أخرى يعود تاريخها إلى تشرين الأول 1938، ننقل منها المقاطع التالية:

"....والعجيب ان الجميع، أو الجميع تقريباً، يتفق رأيهم على أن يجدوا لكل ما هو نفسي طابعاً مشتركاً، طابعاً يعبر عن ماهيته بالذات. أنه الطابع الوحيد، الذي يند عن الوصف، والذي لا حاجة به أصلاً إلى ان يوصف، للشعور. فكل ما هو شعوري هو نفسي، وبالعكس، كل ما هو نفسي هو شعوري. وانى لنا ان نماري في بديهية كهذه! لكن لنقر مع ذلك بأن هذه النظرة للأمور لم توضح ماهية النفسية، إذا اصطدم البحث العلمي هنا بجدار، فما اكتشف أي درب يمكن ان يتخطى به هذا الحاجز. ثم ان المماثلة بين النفسي والشعوري تقود القائم بها- وهذه نتيجة مؤسفة - إلى فصل السيرورات النفسية عن مجمل الظاهرات الكلية، فتتبدى هذه السير ورات وكأنها شيء قائم بنفسه.

"وما كان من الممكن القبول بفكرة كهذه. إذ كيف لنا، بالفعل، ان نتجاهل ان الظاهرات النفسية ترتبط إلى حد كبير بالظاهرات البدنية، وأنها، بالعكس، تؤثر تأثيراً قوياً فيها أيضاَ؟ والحق، لئن وجد الفكر الإنساني نفسه يوماً في درب مسدود، فإنما في هذا المضمار تحديداً. وقد اضطر الفلاسفة ، بحثاً عن مخرج، إلى التسليم ولو بوجود سيرورات عضوية موازية للسيروارت النفسية ومرتبطة بها على نحو يعسر تفسيره. وتفسح هذه السيرورات في المجال أمام المبادلات بين "النفس والجسم" وتدرج من جديد الظاهرة النفسية في مجمل الحياة. غير ان هذا التفسير ليس بدوره مقنعاً.

لقد خرج التحليل النفسي من هذا المأزق بأن أنكر بقوة مماثلة النفسي بالشعوري. كلا، ان الشعور ليس ماهية النفسي، بل صفة من صفاته فحسب، وصفة متقلبة، غائبة اكثر منها حاضرة في الغالبية العظمى من الأحوال. والعنصر النفسي يبقى بحد ذاته، وأياً تكن طبيعته، لا شعورياً، شبيهاً في ذلك، في ارجح الظن، بسائر الظاهرات الطبيعية الأخرى التي نعرفها.

" في رأينا ان مسألة علاقات الشعور بالنفسية قد وجدت حلها الآن: فما الشعور إلا كيفية (خاصية)، متقلبة أصلاً، من كيفيات النفسية. لكن يبقى علينا بعد ان نفند اعتراضاً: فعلى الرغم من الوقائع التي تكلمنا عنها يزعم بعضهم أنه لا يجوز العزوف عن فكرة وحدة الهوية بين النفسي والشعوري لأن السيرورات النفسية التي تعرف باللاشعورية لا تعدو ان تكون سيرورات عضوية موازية لسيرورات النفسية ومعترفاً بها منذ القديم. وعلى هذا، فإن المشكلة التي نريد حلها لا تعدو بدورها ان تكون مسألة باطلة تنصب على التعريف. وجوابنا عن ذلك انه من غير المعقول ومن غير المناسب بالفعل تحطيم وحدانية الحياة النفسية لصالح تعريف ليس إلا، في الوقت الذي نعاين فيه ان الشعور لا يمدنا إلا بسلاسل من تظاهرات غير كاملة، مليئة بالثغرات. أفمن قبيل المصادفة وحدها ألا نكون قد توصلنا إلى تقديم نظرية شاملة متماسكة عن النفسية إلا بعد ان عدّلنا تعريفها؟

"لنحاذر على كل حال من الاعتقاد بان التحليل النفسي هو الذي ابتكر نظرية النفسية هذه. فقد أكد فيلسوف آلماني، هو تيودور ليبس، جازماً ان اللاشعور سمة مميزة للظاهرة النفسية. وقد كان مفهوم اللاشعور يقرع منذ زمن بعيد أبواب علم النفس، وكان بينه وبين الفلسفة، وكذلك بين الأدب، مغازلة، ولكن العلم ما كان يعرف كيف يستخدمه. وقد تبنى التحليل النفسي هذه الفكرة، وحملها على محمل الجد، وافرغ عليها مضموناً جديداً. وقد اهتدت الأبحاث التحليلية النفسية إلى بعض سمات للنفسية اللاشعورية ما كان أحد اشتبه بها بعد، واكتشفت بعض القوانين التي تحكمها. ولا نقصد بذلك ان الكيفية الشعورية قد فقدت قيمتها في نظرنا. فهي تبقى المنارة الوحيدة التي تضيء  لنا وتسدد خطانا في دياميس الحياة النفسية. وبالنظر إلى الطبيعة الخاصة لمعرفتنا، فإن قوام مهمتنا العلمية في مضمار علم النفس ان نترجم السيرورات اللاشعورية إلى سيرورات شعورية لنردم على هذا النحو ثغرات إدراكنا الشعورية".

[17] تجدر الإشارة إلى ان الشعور بالألمانية، كما باللغات اللاتينية، يعني الوعي (conscience). وبالمقابل، فإن الترجمة العربية لهذا المصطلح بالشعور (وكذلك اللاشعور مقابل اللاوعي (inconscient) تقيم فاصلاً اختصاصياً بين اللغة التحليلية النفسية وبين لغة عامة الناس.

[18] preconsious

كل الحقوق محفوظة لموقع فلسفة 2017/2004

لا تعبر الآراء الواردة في موقع فلسفة إلا عن وجهة نظر كاتبيها