الرئيسية» الرئيسية دفتر الزوار»دفتر الزوار راسلنا»راسلنا شروط»اتفاقية الاستخدام
تويتر فايسبوك
مدير الموقع
موقع فلسفة
لايستهدف جلب الأنصار و إنما تكوين أناس أحرار

موقع فلسفة
قائمة المحتويات

فلسفة

 
الفلسفة

إن الفهم المشترك أو الحس السليم يصر على مقتضيات النفع المباشر الملموس ويكافح المعرفة بماهية الوجود وهي المعرفة الأساسية التي تسمى منذ قديم الزمان باسم "الفلسفة ".ويعمد الفهم العام  إلى ذلك مدفوعا بضرورته الخاصة فهو يؤكد حقه بالسلاح الوحيد الذي يملكه وهو الإهابة "ببداهة" دعاويه واعتراضاته. بيد أن الفلسفة لن تقدر أبدا على دحض الفهم العام لأنه أصم عن لغتها. بل لا ينبغي لها أن تفكر في دحضه لأن الفهم العام أعمى عن كل ما يرى أنه يمت للماهية بصلة.

إن الفهم العام يهيب ببداهة الموجود المنكشف و يفسر كل تساؤل فكري ( أو فلسفي ) بأنه تهجم على الفهم السليم واعتداء على حساسيته المريبة.

                                         هيدغر: في ماهية الحقيقة

***

التفلسف

          إن الطالب الذي أنهى تعليمه المدرسي كان قد تعود على الحفظ و يظن الآن وهو مقبل على تعلم الفلسفة أنه سيحفظها أيضا و لكن هذا في واقع الأمر مستحيل إن الأمر يقتضي أن يتعلم التفلسف إذ لكي تحفظ الفلسفة ينبغي أولا أن تكون هناك فلسفة قائمة الذات بحيث يصبح في وسعنا أن نقدم عنها كتابا  و نقول هاكم إنه علم ومعارف يقينية تدربوا على فهمه واحفظوه ثم ابنوا عليه في ما بعد و ستصبحون فلاسفة.

فبدل أن نعمل عل تنمية المواهب الذهنية للناشئة التي وضعت في عهدتنا وإعدادها لبناء معرفة شخصية مستقبلية عند البلوغ نغشها بفلسفة نزعم أنها قد اكتملت بعد, وهي فلسفة يقترن بها وهم علم لا يساوي شيئا إلا لدى أوساط معينة لكنه فيما خلا ذلك فاقد للقيمة.إن الطريق الخصوصية للتدريس في الفلسفة هي طريقة بحثية كما حددها بعض القدماء ZETIEN أي بحث عن الحقيقة.                  

                                                               كـــــــــــــــــــــــــــانــــــط

***

المعرفة

         إن العادة والتقليد هما اللذان يقنعاننا أكثر من أية معرفة يقينية. و إنه على الرغم من ذلك لا يمثل تعدد الأصوات حجة ذات بال بشأن الحقائق التي يصعب اكتشافها قليلا لأنه من الأقرب إلى الاحتمال أن يعثر عليها رجل وحيد من أن يعثر عليها شعب بأسره ولما لم أستطع اختيار شخص تكون آراؤه في نظري أفضل من آراء غيره وجدتني مجبرا على السعي إلي قيادة نفسي بنفسي غير أني كمثل رجل يمشي وحيدا في الظلمات قررت أن أسير ببطء وأن أتسلح بجانب من التحري إزاء كل الأشياء بحيث أحتمي من السقوط حتى وإن كنت لم أتقدم إلا قليلا جدا... وأن أبتعد تمام الابتعاد عن التسرع والظن وأن لا أشمل بأحكامي أكثر مما تقدم لفكري بقدر كاف من الوضوح و التميز.

                                                   ديكــــــــــــــــــارت: مقالة في الطريقة

***

الجهل والمعرفة

       الجاهل في دلالته الذاتية أما أن يكون عارفا علميا أو عاميا. إن من يرى و بوضوح حدود المعرفة و بالتالي حقل الجهل الذي ينطلق منه جاهل على نحو عارف. و بالعكس إن الجاهل الذي لا يدرك علل جهله وحدوده و لا ينشغل لذلك جاهل على نحو جاهل مثل هذا لا يعرف أنه لا يعرف شيئا ذلك أنه من غير الممكن أن نتمثل جهلنا بطريقة أخرى دون العلم تماما مثل الأعمى لا يمكن أن يتصور الظلمة قبل أن يستعيد البصر.

وهكذا إن معرفتنا بجهل تفترض امتلاك العلم و في نفس الوقت تجعلنا متواضعين في حين أن الاعتقاد في أننا نعرف يضخم الغرور. لقد كانت اللاأعرف السقراطية جهلا جديرا بالمديح و باعترافه كانت معرفة بالجهل. إذن إن الذين يمتلكون قدرا كبيرا من المعرفة و مع ذلك يدهشون من كم الأشياء التي لا يعرفونها لا يمكن لهم أن يتعرضوا لمذمة الجهل.

كـــــــــــــــانط: المــــــنطق

***

السؤال الفلسفي

        تشكل الفلسفة بدون شك... رغبة في المعرفة و في الحكمة. و يمكن أن نقبل الفكرة التي تقول " إن الشخص الذي يطرح سؤالا فلسفيا ما يريد من وراء ذلك التوصل إلي المعرفة. و لكن سؤالا مثل" أين توجد المحطة ؟ " لا يبدو إجمالا سؤالا فلسفي ذلك لأن الممارسة الفلسفية بالفعل قصدية حاضرة في السؤال ذاته... و لا يمكن لأي سؤال أن يكون في ذاته فلسفيا بدون هذه القصدية... إن السؤال الفلسفي يفترض مسبقا شكا في الجواب باعتباره معرفة... إن السؤال الفلسفي الذي قلنا سابقا إنه يتخذ المعرفة كموضوع له يفترض في الواقع أن المعرفة مستحيلة أو على الأقل أن هناك معرفة مزعومة معرفة في الواقع ليست معرفة. والنتيجة هي أن السؤال الفلسفي  باعتباره سؤالا لا يمكن أن يطرح على الشخص الذي يعرف أي على من يمتلك المعرفة. إن الفلسفة هي قبل كل شيء شك في امتلاك المعرفة... إن الإنسان الذي يطرح عليه السؤال الفلسفي هو ذاك الذي يعتقد أنه يمتلك المعرفة والسؤال الفلسفي يحطم هذا الاعتقاد البديهي. إن السؤال الفلسفي هو تساؤل و ليس مجرد سؤال. إن السؤال المنفرد لا يكفي وحده لكي يشكل سؤالا فلسفيا, إذ يجب على السؤال الفلسفي أن يكرر لا بمعنى تكرار نفس السؤال... بل بمعنى تكرار سؤال آخر ينتمي إلي نفس التساؤل الفلسفي.

ما هو الطابع العام للجواب الفلسفي ؟ يجب على هذا الطابع العام أن يصدر عما سبق قوله عن التساؤل الفلسفي. أولا يجب على الجواب أن يقدم ذاته كمعرفة ما دام موضوع السؤال الفلسفي هو المعرفة. بعد ذلك يجب أن يكون مرتبطا بالشك  الذي يكون في الآن نفسه قبليا و شاملا على الدوام لكل ما سيقال, أي لهذه المعرفة التي سيحملها الجواب بالضبط. و أخيرا يجب أن يتمفصل بشكل دقيق و برهاني ما دام السؤال الفلسفي غير منعزل, و ما دام التساؤل الفلسفي يقتضي استعادته باستمرار حتى يتم التوصل إلى مبدأ أول. إن الطابع العام للجواب الفلسفي, إذا, هو أن يظهر في شكل ما يسمى عادة بالخطاب... و يجب أن نؤكد على أنه لا يمكن أن يوجد خطاب واحد بدون تنوع الخطابات الفلسفية... ولا يمكن لأي خطاب أن يكون منعزلا. إن الخطاب يحمل دائما إجابة ما. بهذا المعنى, لا يوجد خطاب فلسفي واحد, بل توجد خطابات فلسفية عديدة.

Alain Juranville «  LacanP.U.F. p 56 / 57

et la Philosophie »

***

        يمكن أن نطلق على مثل هذه الطريقة التي تقوم على إخضاع وقائع العقل للفحص وللتأنيب اسم رقابة العقل و مما لا شك فيه أن هذه الرقابة تقود حتما إلي الشك إزاء كل استعمال مفارق للمبادئ. لكن ذلك ليس سوى الخطوة الثانية التي ما تزال بعيدة عن إنجاز العمل. والخطوة الأولى في قضايا العقل خطوة الطفولة وهي دغمائية والخطوة الثانية التي تحدثنا عنها هي ريبية وتشهد بتأني الحاكمة التي هذبتها التجربة والحال أنه يلزم بعد خطوة ثالثة ويعود أمر القيام بها إلى الحاكمة الناضجة والراشدة التي أساسها شعارات ثابتة وكليتها لا غبار عليها والتي تقوم بتفحص لا واقع العقل بل العقل نفسه في قدرته و تمكنه من بلوغ معارف قبلية محضة  فالريبية مرحلة يرتاح فيها العقل البشري وفيها يمكنه أن يتذكر الرحلة الدغمائية التي خرج منها للتو، وأن يرسم مخطط البلاد التي يكون فيها من أجل أن يمكنه بعد الآن أن يختار طريقه بأمان أكبر. لكنها ليست موقعا سكنيا للإقامة فيه لأن هذا الموقع لا يمكن أن يعثر عليه إلا بتيقن تام: إما بمعرفة الموضوعات نفسها وإما بالحدود التي تنحصر ضمنها كل معرفتها الماضية.

كــــــــــــانط: نقد العقل المــــحض

***

       من أين أتينا ؟ و من نحن ؟ هذه أسئلة هامة كان من الواجب أن نبحث فيها فلسفيا من غير أن نستند على المذاهب.قبل أن نصل إلى الحل ألا يلزمنا أن نعرف كيف نبحث عنه ؟ دقق طريقة تفكيرك واستقص معرفتك... وحينما تتحقق من صلاح الأداة أنظر حينئذ كيف تستعملها. إن هذا لن يحدث أبدا. لا أرى إلا طريقة واحدة نستطيع بها أن نعرف إلى أين يمكننا أن نصل: أن نأخذ طريقنا ونمشي. إن كانت المعرفة التي نطلبها تثقفنا حقا, و تنمي فكرنا فكل تحليل أولي لطريقة تفكيرنا يؤخر هذا التثقيف وهذا النمو ويشغل عقلنا عن التقدم إلي هدفه بتذليل صعاب معظمها وهمي. إذا طلب الفيلسوف الوسائل قبل الغاية, وإذا وقف أمام مشكلة أصل وطبيعة ومصير الإنسان ينصرف عادة إلى مواجهة يعتقد أنها أرفع شأنا: يبحث نظريا في الوجود بصفة عامة... ثم ينحدر درجة فدرجة إلى الحياة لكي ينفذ إلى جوهرها ولكن من منا لا يرى آنذاك أنه يغوص في أبحاث نظرية مجردة لا تتعلق بالأشياء ذاتها بل بالفكرة البسيطة التي يكونها عن هذه الأشياء قبل أن يدرسها. يصعب علينا تفسير تشبث هذا الفيلسوف أو ذاك بمنهج غريب, إلا إذا رأينا ثلاث دوافع لهذا التشبث: حب الظهور, و تسهيل العمل, و توهم المعرفة النهائية.

برغســـــــــون: الطاقة الروحية

***

       العامل الراهن الذي أعزو إليه شعورنا بالغربة في هذا العالم الذي كان في يوم ما جميلا و ملائما هو الاضطراب الذي وقع في موقفنا إزاء الموت. وهو موقف كنا في السابق نتشبث به بكل قوة... وقد كنا مستعدين لأن نعتقد أن الموت هو النتيجة الضرورية للحياة, و أن كل فرد يدين للطبيعة بدين وعليه أن يتوقع سداد الفاتورة...وباختصار فإن الموت طبيعي, لا يمكن تفاديه ومع ذلك فإننا في الواقع كنا معتادين على أن نسلك كما لو كان الأمر خلافا لذلك. فكنا نبدي ميلا... لأن نترك الموت " على الرف " و أن نزيله من الحياة... والمقصود هنا موتنا نحن طبعا. وأن موتنا هو بالفعل أمر لا يمكن تخيله  وكلما حاولنا أن نتخيله ندرك في الواقع أننا نعيشه كمتفرجين... وعاداتنا هي أن نضع كل التركيز على العلة العارضة للموت:حادث, مرض, عدوى, تقدم في السن... وبهذه الطريقة تفضح محاولاتنا لتعديل دلالة الموت من ضرورة إلى عرض.

ومن الواضح أن من شأن الحرب أن تجتاح هذه المعالجة التقليدية للموت. فلن نعود نكرر الموت فنحن مضطرون لأن نؤمن به لأن الناس يموتون حقا. ولم يعودوا يموتون الواحد بعد الآخر. وإنما يموت الكثير منهم في وقت واحد وغالبا ما يموت عشرات آلاف في يوم واحد، كذلك لم يعد الموت موتا عرضيا. ومن المؤكد أنه  لا يزال مسألة صدفة إذا كانت رصاصة معينة تصيب هذا الرجل أو ذاك. و لكن الذي يبقى على قيد الحياة يمكن بسهولة أن يصاب برصاصة أخرى, و يضع التراكم نهاية للانطباع بأن الموت عرضي. لقد أصبحت الحياة في الحقيقة مثيرة للاهتمام من جديد, لقد استعادت الحياة أهميتها كاملة.

س. فرويد: أفكار لأزمنة الحرب و الموت

***

الفلسفة والتاريخ

       الفلسفة اليوم بوجه عام و فلسفة كل فيلسوف بوجه خاص متحررة من أثر ذلك التركيب المعقد من النظم التي تكون الثقافة. فقد ظن كل من ديكارت وكانط أنه كان يقيم دعائم الفلسفة من جديد ما دام يرسي قواعدها مطمئنا على أساس فكري خالص و يعني ذلك أنه خلو من كل شيء ما عدا الفكر, غير أن تيار الزمن كشف عن ذلك الوهم. لأن تيار الزمن حين يعرض ثمار الفلسفة يعرض تلك المهمة القديمة المتجددة على الدوام, مهمة التوفيق بين مجموعة التقاليد المكونة لعقل الإنسان في الوقت الحاضر والاتجاهات العلمية والمطامح السياسية الجديدة والتي لا تتلاءم مع السلطات المتوارثة. فالفلاسفة جزء من التاريخ, يجرفهم تياره. وإذا كانوا من بعض الوجوه خالقين لمستقبله، إلا أنهم كذلك بلا نزاع مخلوقات لماضيه. وأولئك الذين يقرون في تعريفهم للفلسفة تعريفا مجردا أنها تبحث في الحق الأبدي أو الحقيقة الأزلية دون ملامسة من الزمان والمكان الموضوعيين, مضطرون إلى التسليم بأن الفلسفة من حيث أن لها كيانا محسوسا فهي تاريخية, تجري مع الزمان و تستقر في أماكن عدة من المواضيع.

ومن جهة أخرى أولئك الذين يزدرون مهمة الفلسفة باعتبار أنها اشتغال عقيم رتيب بمشاكل لا يمكن حلها أو غير واقعية, لا يمكنهم دون أن يتهموا بالتعصب أن ينكروا ولو أن مهمة الفلسفة هي الكشف عن الحقائق الأزلية, فمهمتها بالغة الأهمية باعتبار أنها تكشف عن نظم الإنسانية و آمالها.

جـــــــون دوي: الفلسفة و الحضارة

***

      مهما يكن، يحسن بنا بصفتنا باحثين عن المعرفة,   أن لا نكون جاحدين تجاه مثل هذه المحاولات التي تقلب آفاق النظر عاليها سافلها, فضلا عن قلبها للتقديرات الشائعة التي طالما جعلت الفكر يغتاظ من نفسه, دون فائدة تذكر و بصورة مستنكرة: لكن رؤية الأمور بصورة مغايرة، إرادة المرء في أن يرى الأمور على نحو آخر ليست علما بسيطا ساذجا, أو إعدادا ناقصا يهيأ الذهن لـ" موضوعيته " العتيدة ـ على أن تفهم هذه الموضوعية لا بمعنى " التأمل المجرد " ( فهذا لا معنى له إنه سخافة) بل بما هي ملكة تمكن الذهن من إبقاء ما له و ما عليه ضمن نطاق صلاحياته وتجعله يتصرف عند الحاجة على نحو يمكنه من استخدام هذا التنوع خدمة للمعرفة بما في ذلك آفاق النظر والتأويلات التي تشوبها الميول والأهواء.

فلنلتزم من الآن فصاعدا جانب اليقظة والحذر, حضرات الفلاسفة, حيال تخريف بعض المفاهيم القديمة الخطيرة, هذا التخريف الذي ابتدع " ذاتا عارفة، ذاتا محضا، لا إرادة لها، ولا ألم، ولا تخضع لزمان " ولنحترس من أن تمسنا مجسات بعض المقولات المتناقضة, من نوع " العقل المحض " و" الروحانية المطلقة " و" المعرفة بذاتها ": فهنا يطالب البعض منا دائما أن نفكر بعين لا يمكن تخيلها على الإطلاق بعين ينبغي بأي ثمن أن لا يكون لنظرتها أي اتجاه بعين تكون وظائفها العملية والتفسيرية مقيدة أو غائبة والحال أنه ليس ثمة ما يوفر لفعل النظر موضوعه إلا هي. يطلب منا البعض أن تكون العين شيئا أخرق سخيفا بيد أنه ليس ثمة وجود إلا لرؤية من زاوية معينة لمعرفة من منظور معين و ذلك هو كمال الموضوعية.

نيتشه :    جينيالوجيا الأخلاقالمقالة الثالثة الفقرة 12

***

       تسألونني أن أتحدث إليكم عما هو خاصية ثابتة لدى الفلاسفة ؟ مثلا افتقادهم للحس التاريخي, حقدهم على فكرة الصيرورة نفسها. فهم يعتقدون أنهم يشرفون شيئا ما بنزع صفته التاريخية... جاعلين منه مومياء. إن كل ما اشتغل به الفلاسفة منذ ملايين السنين هو مومياءات من المفاهيم فلم يخرج من بين أيديهم حيا أي شيء من الواقع... إن الموت والتطور أو التغير هي بالنسبة لهم أشياء مرفوضة إن ما هو موجود ليس صائرا فهو غير موجود... و بحكم أنهم يعجزون عن إدراك " حقيقة الوجود " يبحثون عن مبررات لتفسير كونها تفلت منهم: يلزم أن يكون هنالك خداع حتى لا ندرك حقيقة الوجود. أين يكمن ما يخدعنا إذا...؟ عرفناه ـ يصيحون بذهول  إنها الحواس. الحواس تضللنا بخصوص العالم الحقيقي. يجب أن نتحرر من وهم الحواس من الصيرورة من التاريخ، أن نقول لا لكل أولئك الذين يؤمنون بالحواس لبقية البشرية جمعاء. أن يكون الإنسان فيلسوفا هو أن يكون مومياء وأن لا يتحدث إلينا خصوصا عن الجسد الملطخ بكل الأخطاء الممكن تصورها.

إن ما نفعله بشهادتها هو الذي يقحم فينا الافتراء. هو سبب تشويهنا لشهادة الحواس, ما دامت الحواس تكشف عن الصيرورة عن اللاثبات عن التحول فإنها لا تكذب... وحده العالم " الظاهر" هو الموجود و ما العالم " الحقيقي " سوى كذب نضيفه إليه.

فريدريك نيتشه: أفول الأصنام

***

ما دام ذلك هو رأيك على ما يبدو لي فإنّي سأتحدّث عن عظماء الفلاسفة، إذ لا أرى جدوى من الحديث عمّن هم دونهم. ويلزم أن نقول عن أولئك بأنّهم، منذ صباهم، لا يعرفون الطّريق التي تؤدّي إلى السّاحة العموميّة و لا أين توجد المحكمة ولا قاعة مجالس المدينة أو أيّة قاعة للاجتماعات العموميّة. فهم لا يهتمّون بالإطّلاع على القوانين والتّشريعات التي تسنّ أو يعلن عنها. أمّا عن النّوادي التي تناقش فيها المهامّ وعن الاجتماعات والحفلات وأعياد "باخوس"*

وما يصاحبها من عزف على النّاي، فإنّ هذه الأمور، لا تخطر ببالهم حتّى فكرة المشاركة فيها. وإذا ما لحق المدينة شرّ أو ورث أحد المواطنين، رجلا كان أو امرأة، بعض العيوب عن أجداده، فإنّ الفيلسوف لا يعلم عن ذلك أكثر ممّا يعلمه عن عدد قطرات مياه البحر. وهو لا يعرف أنّه يجهل كلّ هذه الأمور، فهو يمتنع عن معرفتها، لا رفعة منه بل لأنّ جسمه، في واقع الأمر، هو وحده الحاضر المقيم في المدينة أمّا فكره الذي ينظر إلى هذه الأمور بعين الاحتقار على أنّها أشياء تافهة لا قيمة لها، فإنّه يحلّق في فسيح الأجواء (...) باحثا في أعماق الأرض يقيس مساحتها، متتبّعا حركات الأفلاك فيما وراء السّماء، مدقّقا في الطّبيعة بأكملها، وفي كلّ كائن بكلّيّته، دون أن يلتفت إلى ما هو على مقربة منه (...)

إنّ مثال إنّ مثال طاليس

ليوضّح لنا ذلك، فبينما كان منشغلا بمراقبة الأفلاك وعيناه معلٌقتان في السٌماء، هوى في بئر، فسخرت منه إحدى خادمات (طرسوس)، المعروفة بذكائها وحضور بديهتها، زاعمة أنٌه يبذل كلٌ ما في وسعه لمعرفة ما يدور في السٌماء دون أن يحترس ممٌا هو أمامه وعلى مقربة منه. إنٌ هذا الحدث الطٌريف مثال على كلٌ من يقضٌي حياته في التفلسف. فمن الأكيد أن مثل هذا الرٌجل ليس له جيران ولا أقارب، بل إنٌه لا يعرف حتٌى ما يقومون به، ويكاد يجهل ما إذا كانوا بشرا أو مخلوقات من جنس آخر. ولكن ماذا يمكن أن يكون الإنسان؟ وماذا تقتضيه طبيعته كإنسان؟ وماذا يميٌزها عن طبيعة الكائنات الأخرى؟ فتلك هيٌ المسائل التي يبحث فيها الفيلسوف ويجهد نفسه لاكتشافها(...)

هذا إذن كما قلت في البداية، هو فيلسوفنا في علاقته الخاصّة والعامّة التي تربطه مع أمثاله. فحينما يضطرّ إلى التّحدّث أمام المحكمة أو في أيّ مكان آخر، عمّا هو على مقربة منه أمام عينيه، فإنّه لن يثير ضحك خادمات طرسوس فحسب، بل ضحك عامّة النّاس، فانعدام خبرته يجعله يقع في شتّى المواقف وإنّ قلّة مهارته تظهره غبيّا في أعين النّاس (...)

وفي جميع هذه الملابسات، يسخر العامٌي من الفيلسوف الذي يبدو له تارة جديرا بالاحتقار، وتارة أخرى جاهلا بما هوٌ على مقربة منه، حائرا منزعجا من كلٌ شيء(...) لكن عندما يستطيع الفيلسوف أن يرتقي بالإنسان نحو الأعلى، وعندما يتخلٌص هذا الإنسان من أسئلة المحاسبة كأن يقول " ماذا جنيت عليك وماذا جنيت أنت عليٌ؟" كي يتطرٌق إلى فحص العدالة والظٌلم، وإلى البحث عمّا يعنيانه ولماذا يتمايزان عن بعضها ويختلفان عن الأمور الأخرى (...) فإنٌه سيغدو مثلما كان الفيلسوف. وسيأخذه الدٌوار عندما يلقي نفسه من الأعالي، وبما أنّه لم يعتد أن يرى الأمور من هذه العلياء فسيأخذه الحزن ويصيبه التّأفّف والانزعاج وهو لن يثير ضحك خادمات طرسوس أو أحد الجهٌال مثله، بل أنٌه سيثير ضحك أولئك الذين تلقٌوا تربية غير تلك التي يتلقٌاها العبيد.

 تلك هيّ (...) خصائص هذا وصفات ذاك، فهذا الذي تسمّيه فيلسوفا، والذي تربّى في حضن الحرّيّة والفراغ، لا يجب أن يلام لكونه يظهر ساذجا لا يصلح لشيء، عندما يواجه أبسط الخادمات (...) وذلك قادر على أن يقوم بها، بكلّ مهارة وإتقان، لكنّه لا يستطيع أن يرتدي ثيابه على طريقة الرّجال الأحرار، ولا أن يتذوّق ما في الحديث من بلاغة وبيان، ولا أن يتغنّى، كما يجب، بالحياة الحقّة التي ينعم بها الآلهة وسعداء البشر.

افلاطون من: محاورة التياتيتوس

 

***

ما معني إذن البحث عن الحقيقة ؟...

البحث عن الحقيقة – لنتكلم ببساطة شديدة – هو ذاته مشدود بين قطبين: ثمة من جهة وضعية شخصية و ثمة من جهة أخرى رؤية للوجود. فمن جهة ثمة شيء ما يجب علي أن أكشفه بنفسي, شيء لا أحد غيري له مهمة أن يكشفه. إن كان لوجودي معنى ولم يكن عبثيا، فإن لي موقعا في الوجود هو دعوة لأن أطرح سؤالا لا يمكن لأحد أن يطرحه عوضا عني. إن محدودية وضعي و معلوماتي و لقاءاتي ترسم بعد المنظور المتناهي لاستعدادي للحقيقة.

ومن جهة أخرى أن أبحث عن الحقيقة يعني أن أتطلع إلى أن أقول قولا صالحا للكل, قولا يرتفع على أساس وضعيتي إلى مقام القول الكلي, لا أريد أن أبتدع وأن أقول ما يحلو لي ولكن أريد أن أقول ما هو كائن. فمن صميم وضعيتي أتطلع إلىى أن أكون مرتبطا بالوجود. أن يتعقّل الوجود ذاته في نفسي، ذاك هو مرادي من الحقيقة. وهكذا فإن البحث عن الحقيقة مشدود بين " تناهي " تساؤلي و" انفتاح " الوجود.

                                 بول ريكور : التاريخ و الحقيقة 54-55

***

        على الفلسفة... أن تبرر وجودها. لكن هذا الأمر بالذات مستحيل إنها لن تستطيع أن تذكر لتبرير وجودها أي نوع من الفائدة يمكن أن تعطيها الحق في الوجود إنها لا يمكن أن تستند إلا على الدوافع التي تدفع كل إنسان إلى التفلسف إنها تعرف أنها تدافع عن قضية و خارجة عن كل الحسابات وأنها لا تخص الإنسان إلا من جهة كونه كذلك وأنها ستتواصل ما بقي بشر.

إنها لا تستطيع أن تحارب وإنها لا تستطيع أن تقدم البرهنة على نفسها إنها تستطيع فقط أن تنتشر, إنها لا تقاوم لما نتخلى عنها ولا تنتصر لما ننصت لها, إنها تحيا في منطقة الإجماع التي في أعماق الإنسانية تستطيع أن تربط كل إنسان بجميع الناس.

كارل  يسبرس: مقدمة للفلسفة

***

        لقد كنت أمكث طوال النهار وحيدا في غرفة دافئة أنظر أفكاري وكانت إحدى أوائلها أنني أميل إلى الاعتقاد بأنه كثيرا ما تكون الأعمال المؤلفة من عدة أجزاء والناجمة عن أيدي صناع مختلفين أقل اكتمالا من التي عمل فيها صانع واحد.

وهكذا فنحن نرى أن البناءات التي بدأها وأتمها مهندس واحد غالبا ما تكون أكثر حسنا وأجمل ترتيبا من التي حاول الكثيرون ترميمها مستعملين لذلك بعض الجدران القديمة التي قد تكون بنيت لأغراض أخرى.

وكذلك هذه المدن القديمة التي لم تكن في البداية قرى أصبحت بمرور الزمن مدنا كبيرة مضطربة الرسم عادة إذا قورنت بتلك المساحات المنظمة التي يرسمها أحد المهندسين على بعض السهول...

كما انه من المؤكد أن حالة الدين الحقيقي الذي وضع الإله الواحد تعاليمه لا بد أن تفوق ترتيبا كل الأخرى إلى حد لا يدع مجالا للمقارنة.

ولكي نعود إلى الحديث في شؤون البشر فإنني أعتقد أن مدينة إسبرتا إن كانت في الماضي مزدهرة جدا فلم يكن ذلك بسبب استقامة كل قانون من قوانينها... بل لأنها وضعت من طرف شخص واحد فجاءت ترمي كلها إلى هدف واحد.

وكذلك رأيت أن العلوم المدونة في الكتب أو على الأقل تلك التي لا تقدم إلا حججا احتمالية والتي لا براهين لها نظرا إلى أنها ألفت ثم تضخمت شيئا فشيئا بآراء أناس مختلفين...

وكذلك فقد رأيت أننا لمّا كنا أطفالا قبل أن نصبح رجالا ولأننا مسيرين خلال فترة طويلة من طرف أهوائنا ومربينا وقد كانوا في الأغلب متضادين وربما لا يمكن لأي منهما أن يدلنا دائما إلى ما هو أصلح فمن شبه المحال أن يكون لأحكامنا من الصفاء والمتانة ما كان يكون لها لو أننا تمتعنا منذ الولادة باستعمال تام لعقلنا ولم نسس قط إلا من طرفها.

مقالة في الطريقة ديكارت: ترجمة: عمر الشارني    ص 47 / 48 / 49 / 50

***

الفلسفة والواقع

       إن الفلاسفة.. ثمرة عصرهم وبيئتهم إذ في الأفكار الفلسفية تتجلى أدق طاقات الشعوب وأثمنها وأخفاها... والفلسفة ليست خارجة عن الواقع... وبما أن كل فلسفة حقيقية هي زبده  زمانها فلا بد أن يحين الوقت الذي يكون فيه للفلسفة عقد مع واقع عصرها وعلاقات متبادلة بينها و بين هذا الواقع لا من الداخل فقط من حيث محتواها, بل وأيضا من الخارج من ناحية مظاهرها. وعندها لن تعود الفلسفة تضاربا بين المذاهب بل مجابهة للواقع أي فلسفة للعالم الحاضر... وإذا لم يهضم الأفراد المنعزلون الفلسفة الحديثة وكانوا ضحية لسوء هضم فلسفي فليس ذلك دليلا ضد الفلسفة كما أن الضرر الذي يلحق بعض المارين جراء انفجار آلة تسخين لا يعد دليلا ضد علم الميكانيكا.

كارل مــــــاركـــــس.

***

        الإنسان حيوان ميتافيزيقي. ففي بدايات وعيه يبدو كائنا عقليا بلا جهد ولكن ذلك لن يدوم طويلا فمع أول تأمل ينتج الاندهاش الذي هو أب الميتافيزيقا... على هذا النحو يعني التفلسف القدرة على الاندهاش أمام الوقائع العادية وأمام ما هو يومي إنه التساؤل حول أكثر الأشياء عمومية وألفة... كلما كان الإنسان أقل عقلا كان الوجود أقل غرابة بالنسبة له والأشياء بالنسبة إليه تحمل في ذاتها الإجابة عن سؤال الكيف واللماذا وهو ما يرجع إلى أن ذهنه ما زال وفيا لطبيعته الأصلية إذ هو خزان الدوافع الموضوعية تحت تصرف إرادة مشدودة إلى العالم والطبيعة كجزء منها. الاندهاش الفلسفي الذي يحصل من الإحساس بهذه الثنائية إنما يقتضي وجود درجة راقية من العقل لدى الفرد على أن ذلك لا يمثل الشرط الوحيد وذلك لأن معرفة الأشياء والموت واعتبار الألم وبؤس الحياة هما اللذان يعطيان الدافع الأقوى للتفلسف والتفسير الميتافيزيقي للعالم. إذا ما كانت الحياة معروفة ودون ألم فإنه لا يمكن لأحد أن يتساءل لماذا يوجد العالم ؟ ولماذا له هذه الطبيعة المخصوصة ؟ ذلك أن كل الأشياء تصير مفهومة من تلقاء ذاتهــــــا. 

شوبنهاور: العالم بما هو إرادة و تمثل / مميزات الفيلسوف

***

       إن الشخصية أوالذات النبوية لكي تتأسس ينبغي أن تحقق نوعا من القطيعة مع العالم المحسوس, عالم الخطأ, عالم المصلحة والرغبة ومع كل العالم الذي يكون بالنسبة للحقيقة " الخالصة " و"الخالدة " عالم الظلمات. الانتقال من عالم الظلمات إلى عالم النور, ومن عالم الخطأ إلى عالم الصواب ومن عالم العبور والفناء إلى عالم الدوام والخلود, هذا الانتقال هو الذي يميز المسار الأخلاقي الذي يؤسس الذات النبوية كذات قادرة على قول الحقيقة, قادرة على رؤية الحقيقة... إن ما يميز الحقيقة النبوية هو أن النبي لا يمكن تصوره خارج وضعية الوسيط. فالنبي، تعريفا، لا يتكلم باسمه الخاص, إنه يعبر عن صوت آخر... الكلام الذي يعبر عنه هو كلام الله  يخاطب الناس بخطاب إلهي. النبي إذا وسيط بين الله والإنسان.

يختلف الفيلسوف جوهريا عن النبي. الفيلسوف لا يتكلم باسم غيره بل يتكلم باسمه هو، لا يعلن ما ينبغي أن يكون, ولكن يفسر ما هو كائن بالفعل... لا يلجأ الفيلسوف إلى الغموض والرمزية كما هي رمزية النبي بل يتكلم بوضوح, كلامه يمكن أن يكون واضحا مباشرا.

ولكي تتأسس الذات كذات قادرة على قول الحقيقة الفلسفية ينبغي أن يكون الشخص يونانيا لا غريبا أجنبيا, رجلا لا امرأة, سيدا لا عبدا. الأجنبي والمرأة والعبد لا يمكن, بل لا يجوز أن يقولا الحقيقة الفلسفية... السياسي يقول الحقيقة هو أيضا وهو في ذلك مثله مثل النبي, لا يتكلم باسمه الخاص بل يتكلم باسم المدينة. وهو يختلف عن الفيلسوف لأنه لا يكتفي بتفسير ما هو كائن بالفعل بل يقول ما ينبغي أن يكون, أي الصالح العام الذي تكون به المدينة ونظامها... يظهر الأستاذ أو الملقن كشخص يقول الحقيقة, هذا الشخص قد يكون فيلسوفا محترفا, أو حرفيا, أو صانعا  أو موسيقيا... يملك معارف وأفكارا مرتبطة بممارسات وتمارين وله القدرة على أن يعلمها للآخرين... وهو في غير حاجة إلى الشجاعة ليقول الحقيقة بل على العكس من ذلك, قد يربطه مع من يسمعه روابط المعرفة المشتركة, روابط الإرث والتقاليد روابط تؤدي إلي الإعجاب أو الصداقة

أربع شخصيات: النبي, السياسي, الفيلسوف والحكيم تجتمع في شخص سقراط.

ميشال فوكو : أركيولوجيا المعرفة

***

الشك

       العلامة الحقيقية للإرادة والسمة الأساسية لهذا التطور المكتمل الذي يؤهل الإنسان ليتأمل العالم من حوله وليكون جديرا بالسيادة والاستقلالية هي إمكانية الشك. أليس من المدهش أن نميز الإنسان المستنير والمثقف حقا بأحكام تجعله عرضة للشك ويعترف بجهله لا أن نميزه من خلال تلك الأحكام التي قد تبدو يقينية لا شك فيها. إن الجاهل نادرا ما يشك, والغبي يشك بدرجة أقل منه  أما المجنون فلا يشك على الإطلاق. إن العالم سيكون مختلفا جدا على ما هو عليه لو أتقن أغلبية البشر ممارسة الشك. في هذه الحالة لن يكون البشر عبيدا لعاداتهم ولأحكامهم المسبقة التي يفرون إليها في أغلب الأحيان.... اليقين لا يمكن أن يكون مطلقا, إنه، وهذا ما وقع نسيانه، فعل وحالة إنسانية. ليس الفعل والحالة التي من خلالها يفهم الإنسان مباشرة ما لا يمكن معرفته مباشرة والمقصود بذلك الوقائع والقوانين..... لا وجود ليقين هناك فقط أناس على يقين.

شارل رونوفي: محاولة ثانية في النقد العام ص 365 /366

***

الفلسفة و العلم

تحت رعاية الرياضيات صار من المناسب التحقق من الأسباب التي تشرف على تكرر الظواهر. إن المعرفة العقلانية لقوانينها يجب أن تعطي للإنسان القدرة على إثارتها على هواه أو على معارضتها وفق المصلحة التي يجدها في ذلك. إن الطبيعة المفرغة من أسرارها تصبح لعبة ميكانيكية بين أيدي الناس فالمهم هو أن يصبح هؤلاء " سادة الطبيعة و ملاكها "... إن تكريس النموذج الرياضي من أجل فهم معطيات الطبيعة يقوض الشعور الشعري المرتبط بها لقد قطع التحالف بالسم السيطرة فالمعرفة يجب أن تكون مفيدة عقلانية مجردة من المشاعر ومنتجة لما هو فعال اجتماعيا... إن حركة الفكر الذي يسعى لاختزال مجموع حركات العالم أو اضطرابات الوضع البشري في مجموعة من القوانين الموضوعية وفي تكرارات يمكن التنبؤ بها أخذت بالانطلاق و لن تكف عن ممارسة تأثيرها.

دافيد لوبوتون  أنتربلوجيا الجسد و الحداثة 

***

التقدم التقني

           قدم المنهج العلمي الذي مكننا من السيطرة على الطبيعة بفعالية متزايدة مفاهيم محضة و لكنه قدم أيضا مجموع الأدوات التي سهلت سيطرة الإنسان على الإنسان على نحو مطرد الفعالية من خلال السيطرة على الطبيعة فلقد أصبح العقل النظري رغم كونه يبقى محضا ومحايدا خادما للعقل العملي ولقد كان هذا الترابط مفيدا لكليهما أما اليوم فما تزال السيطرة قائمة وازدادت توسعا بفضل التكنلوجيا بما هي تبرر توسع السلطة السياسية واستيعابها لكل مجالات الثقافة.

إن التكنلوجيا في هذا العالم تعقلن أيضا افتقار الإنسان للحرية وتقيم البرهان على أنه يستحيل تقنيا أن يكون الإنسان سيدا على نفسه و أن يحدد نمط حياته الخاصة وبالفعل فإن نقص الحرية لا يبدو واقعة لا عقلانية أو واقعة ذات صبغة سياسية وإنما يعبر بالأحرى عن أن الإنسان خاضع لجهاز تقني يزيد من رغد الحياة ويزيد من إنتاجية العمل. إن العقلانية التكنولوجية لا تضع مشروعية السيطرة موضع اتهام وإنما هي بالأحرى تحميها وأفق العقل الأداتي ينفتح على مجتمع كلياني عقلاني لقد اتخذت حركية التقدم التقني عل الدوام محتوى سياسيا ولقد أصبح لوغوس التقنية لوغوس العبودية المستديمة وقد كان في الإمكان أن تكون قوة التكنلوجيا قوة محررة بتحويل الأشياء إلى أدوات و لكنها أصبحت عقبة في وجه التحرر بتحويلها البشر إلى أدوات.

هربرت ماركيز: الإنسان ذو البعد الواحد

***

 " نشهد منذ بداية العصر الحديث تطورا لا مثيل له من قبل في المعارف التي تكوّن العلم والتي تتبنى علنا صفة العلم. ونقصد بالعلم هنا معرفة تكون صارمة وموضوعيّة وغير قابلة للشك وصادقة. و تتميز هذه المعرفة العلميّة عن كلّ الأشكال التقريبيّة، بل المشكوك فيها من المعرفة والمعتقدات والخرافات الّتي سبقتها، بقوة بداهاتها وبراهينها وحججها و بالنّتائج المذهلة التي توصّلت إليها، وهي نتائج قلبت وجه الأرض رأسا على عقب. ولكن من المؤسف أن هذا الانقلاب قد شمل الإنسان ذاته فإذا كانت المعرفة، الّتي هي فهم متزايد للكون، مكسبا لا شك فيه، فلماذا اقترنت هذه المعرفة بانهيار كل ّالقيم الأخرى، وهو انهيار خطر لدرجة أنه يهدد وجودنا نفسه. ففي حين أن كلّ منتجات حضارات الماضي كانت مقترنة صعودا ونزولا وكأنها على توافق تام، شبيهة في ذلك بتعاقب الموج، ها نحن نشاهد قبالتنا ما لا أحد شاهده من قبل: الانفجار العلمي وقد اقترن بإفلاس الإنسان: هذه هي الوحشية الجديدة، وهي وحشية قد لا نتمكن هذه المرّة من تخطيها."

ميشال هنري " الوحشيّة "

***

         العقل التجريبي ليس من طبيعة الإنسان, يجب أن نميز بين التجريبي والعقلاني وغيره من أساليب التفكير, فالمناهج التجريبية لا تستثمر فقط في مجالاتها التقليدية ( الظواهر الفيزيائية  و البيولوجية  ), ولا تستعمل فقط في المجالات الإنسانية المستحدثة ( علوم الإنسان ), ولكن أيضا في عديد المجالات الحياتية: حقول الممارسة اليومية, التطبيقات الهندسية, البدائل والأطروحات الأخلاقية والسياسية حتى إن الحديث عن فلسفة تجريبية بات مشروعا اليوم و رغم نزوع هذا المنهج لإعلان سيادته على أغلب مجالات التفكير والعمل فإنه ما زال يفتقد من حيث نتائجه لليقينية, وتطبيقاته الواقعية تجرنا إلى استخلاص طبيعة الخطأ والاتفاقية التي تؤسسه . ومن هنا فالخاصية المميزة للباحث العلمي الأصيل هي الاندهاش إذ عليه أن يتساءل حول مدى صحة الإجابات المقبولة والحلول المتوفرة علميا . لكن النقد لا يكون نقدا إلا إذا كان مؤسسا . فإن كان تفسير ما مقبولا عند الأقدمين , فإن الدهشة وتحديدا وازع إبداع حقيقة جديدة يمثل ماهية وجوهر المعرفة العلمية .

يجب أن نعي بأن المباحث التجريبية , وإن كانت نورنا الأوكد لمعرفة الحقيقة الواقعية فإنها لا تقدر على الإجابة إلا على جزء محدود من التساؤلات الإنسانية ففي هذا العالم المعطى , يعيد العلم زرع شبكات نظامية تتحول بدورها إلى مستنقعات للجهل والخطأ للألم واليأس . فالعقل التجريبي يحوي داخله مشروعية حضور المبحث الميتافيزيقي و حضور القيم الأخلاقية والدينية , إنه يؤكد مطلب بول إلوارد :" اتركوني إذن أحكم حول ما قد يساعدني على الحياة ... " 

جان فوراستييه  شروط العقل العـلمي ص 250 /251

***

العلم والقيم

       خلال ثلاثة قرون احتل العلم القائم على مبدأ الموضوعية مكانة في المجتمع , هذا في مجال العمل لا حياة النفوس و قد بنيت المجتمعات الحديثة على العلم وهي مدينة له بالثروة والقوة والقناعة بأن ثروات وقوى أكبر من ذلك بكثير ستكون غدا في متناول الإنسان إذ هو أرادها ولكن كما أن الاختيار الأول في التطور البيولوجي لنوع من الأنواع قد يقحم مستقبل ذرية كلها في طريق معينة وكذلك الأمر في اختيار الممارسة العلمية اللاواعية في الأصل إذ أنها قد ساقت التطور الثقافي في طريق ذات اتجاه واحد وتلك طريق كانت التقدمية العلمية في القرن التاسع عشر ترى أنها ستنفتح حتما على ازدهار عظيم للإنسانية على حين أننا نرى اليوم هوة الظلمات وحفرا أمام أعيننا ... إن العلم يعتدي على القيم لا بصورة مباشرة إذ أنه ليس حكما فيها وعليه أن يجهلها ولكن بصورة غير مباشرة حيث أنه يهدم كل الأنطلوجيات الخرافية التي تقيم عليها التقاليد الإحيائية من شعوب استراليا إلى الجدليين الماديين صرح القيم والأخلاق والواجبات والحقوق والمحرمات... وعندئذ الإنسان الحديث أو بالأحرى يقف ضد العلم الذي يفسر الآن قدرته على التخريب لا تخريب الأجسام بل تخريب النفس ذاتها .

جاك مـــــــــونو : المصادفة و الضرورة

كل الحقوق محفوظة لموقع فلسفة 2017/2004

لا تعبر الآراء الواردة في موقع فلسفة إلا عن وجهة نظر كاتبيها