الرئيسية» الرئيسية دفتر الزوار»دفتر الزوار راسلنا»راسلنا شروط»اتفاقية الاستخدام
تويتر فايسبوك
مدير الموقع
موقع فلسفة
لايستهدف جلب الأنصار و إنما تكوين أناس أحرار

موقع فلسفة
قائمة المحتويات
بكالوريا 2017

فلسفة

 
000webhost logo

موقع فلسفة موقع خدمي يسعى إلى تقديم نوع من الخدمة المعرفية ، و هو موقع معني بالفلسفة ، وبالاهتمام بالفلسفة بالمعنى العام للكلمة و يتشرف باستقبال كل موضوع ينسجم مع هذه المرجعية و يتم قبول الموضوعات التي ترد إلى الموقع وفقاً لسياسات موضوعية و منهجية معينة من بينها: المحتوى والحجم ، وكذلك مستوى الموضوع ، و الطبيعة الأساسية للموقع . وبعد حصول الموضوع على الموافقة ،يتم إدراجه في الموقع .

هـُنـَا تـُـقـْـبَـلُ أرَاءُ كُمْ النِيّرَة وَ مَوْضُوعَاتُـكُمْ المُـفِيدَة
*** وجهة نظر *** دورية تصدر عن موقع فلسفة/ جميع حقوق الموقع محفوظة،© موقع فلسفة 2018/2004 - ع.فورار
لا تعبر الآراء الواردة في المقالات المنشورة إلا عن وجهة نظر كاتبيها
(أنسنة الدين والمعطى الفطري للتديّن) / علي محمد اليوسف/الموصل
(أنسنة الدين والمعطى الفطري للتديّن) / علي محمد اليوسف/الموصل

المعطى الفطري للتديّن:
    أكون متعجّلا جدا،انه ليس هناك من حاجة لأنسنة الدين في حياتنا المعاصرة،فالدين مؤنسن بالفطرة الميلادية للإنسان، الدين معطى أزلي ملازم الوجود الإنساني،فطري ومكتسب معا، لو لم يجده الإنسان في حياته على الأرض،لبدأ التفتيش عنه في مراحل عمرية متأخرة، وقام باختراعه وممارسته، في إشباع حاجته الانطولوجية  عبادة  المقدس الخالق.ما دوافع هذا الميل؟ وكيف؟
يتناسل الدين ( جينا لوجيا ) بالوراثة البيولوجية الطبيعية للإنسان ككائن حي جيلا بعد جيل ، وهذا يعطي الدين مطاولة تاريخية في عدم مفارقته الإنسان ، أو توقّف ملازمته له بيولوجيا وراثيا عبر الأجيال والعصور . باعتبار الدين ظاهرة انسانوية ، ومعطى (هبّة ) سماوية طبيعية من الخالق تلازم الإنسان بالولادة .وهي أيضا هبة يصنعها الإنسان أيضا في تخليقه عظمة المقدس المعبود، من غير امتلاكه قدرات الاستدلال عليه.
رب معترض يذهب أن الدين ( مكتسب ) بالتلقين الأسري والبيئي والمجتمعي ، في العائلة والمدرسة والمحيط ، وفي طقوس وخطابات وممارسات التديّن المختلفة . والإنسان ( يهوّد وينصّر ويؤسلم ويمجّس ) من ذويه . وكل هذا لا يلغي أن الفرد يولد باستعداد جيني فطري في تقبّله الدين ، إلى جانب قابلية الإنسان وحاجته المكتسبة له ، ولو ترك الإنسان من دون تدخّل الأسرة في تدينّه ، فانه سيجد نفسه في مراحل عمرية لا حقة متقدمة انه أصبح بحاجة إلى قيم دينية يبحث عنها. هذا على الأقل في المجتمعات الشرقية المولعة بالمقدّس.ويؤكد أيضا أهمية الأساطير في تلبية نوازع الإنسان في التديّن،وحمولتها الكبيرة في تخليق المقدس وعبادته.
الدين يستمد انسانويته من الفطرة  والاستعداد الجيني الموّرث بالولادة ، لذا الدين لا يشيخ ولا يهرم ولا يموت مع توالي العصور ، وتقدم عمر الإنسان في تواجده المتلازم بيولوجيا وراثيا تاريخيا بالنسبة للإنسان كنوع خالد، وليس كأفراد يموتون. 
الدين في جينالوجيته الوراثية وفي ملازمته انطولوجيا الوجود الإنساني ، يكون بمثابة نوع من العود الأبدي النيتشوي ، الذي يعيد نفسه في دورة من الانبعاث والاستحداث المتجدد المعاد جيلا بعد جيل ، وتبقى بدايته بلا نهاية ، بداية تعيد نفسها على الدوام في توالي العصور . ولا يصل هذا العود الأبدي إلى نهاية أو مرحلة من التطور المعرفي – الواعي للإنسان ابستمولوجيا أو مرحلة تاريخية تطورية يصلها ،  بحيث يستطيع الإنسان التفكير في استغنائه عن الدين ، أو في اعتبار أن الدين يخضع للتحقيب الزمني في كونه ظاهرة فكرية بدئية- مراهقة ،تنتهي من حياة الإنسان والبشرية في مرحلة متأخرة من وعي الوجود الناضج .
وبذا لا يصل الدين مرحلة نهاية فاعليته تاريخيا – وجوديا بالموروث الثقافي والأخلاقي والسلوكي الذي يبعثه ،كظاهرة ملازمة للوجود الإنساني في تعاقب الأجيال ، في حقيقة أن الإنسان كائن اجتماعي – ديني بالفطرة الطبيعية زائدا مؤثرات البيئة والمحيط المكتسبة ودورها الحيوي الكبير في تكريس نزعة التدين.
بغض النظر عن موقفنا الإيماني الديني ، أو الإلحادي ، فأن الدين يبقى كمعطى جينالوجي فطري بالوراثة ملازما الوجود الإنساني ، ومحصّنا ذاتيا من الاندثار التدريجي كوعي مفارق تاريخيا عند جيل من الأجيال من عمر البشرية .
ذاتية الدين ، أو بالأحرى  ذاتية (الإله ) الخالق المحصّنة ضد التلاشي والاندثار تأخذ دوام ومشروعية بقائها من الموروث اللاهوتي المتداول المكتوب والشفاهي
الذي وصلنا في نصوص الكتب السماوية وغير السماوية، وفي إقامة الطقوس
الدينية، وتوالي ظهور الأنبياء ، منذ عصر الخليقة والخطيئة الأولى والى يومنا هذا، وفي كافة وسائل التثقيف التعبوي الديني.
ويبقى الدين نزعة روحانية متلبسّة الإنسان انطولوجيا ، وتحمل عوامل ومقومات استمرارية بقائها بما تغتذيه من الهام غيبي سماوي . الدين في ملازمته الإنسان كظاهرة أزلية لا معنى لها من غير الإنسان ، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعي حاجته للتديّن . وينفرد بذلك ويتميز عن جميع المخلوقات الحيّة، والظواهر الطبيعية والوجودية الأخرى المرافقة له.وبذا نصل إلى حقيقة جوهرية ثابتة انه لا يكون الدين دينا إلا في وجود الإنسان وبه واحتضانه له. الإنسان كوجود نفسي روحاني إيماني ثقافي أخلاقي، وهو مدخل سليم في فهم علاقة الإنسان بفعل التديّن (انسنة الدين بالفطرة) كما يصبح لا وجود لدين فطري أو مكتسب من غير وجود إنساني.
مركزية الإنسان لا أولويته :
ما مر بنا في السطور السابقة يدخلنا قسرا في مناقشة إشكالية معقّدة في فهم وتفسير ثنائية علاقة (المعبود بالعبد ) في الظاهرة الدينية ، فنحن نجد ( مركزية ) الإنسان ، وليس ( أولويته ) في ثنائية الإنسان والمقدس ، وهذا الطرح لا يتقاطع من بديهية      أنسنة الدين في أسبقية الخالق على المخلوق . وهو يصادر الفهم الإشكالي بأن مركزية الإنسان تعلو تراتيبيا على أولوية المقدس الخالق . وفيه مغالطة كبيرة في تراجع أهمية الإنسان في الظاهرة الدينية ، دونما أي مساس بالمقدس الخالق. 
السؤال هو لماذا ذهبنا إلى تأكيد مركزية الإنسان لا أولويته في الإيمان الديني ؟! 
الجواب المباشر لأن القول بأولوية الإنسان في ثنائية المقدس والعبد تنسف الإيمان الديني في تموضعه كبديهة تؤكد أسبقية الخالق في تراتيبية الإله والمخلوق . لذا نؤكد على مركزية الإنسان في الثنائية الإيمانية التي لا تنازع المعبود المقدس في عصمته الإلوهية ، وتفرده ووجوب عبادته . إن في طرحنا مركزية الإنسان لا أولويته لا نفاضل بين الإله والعبد ، وهذه تتقاطع أيضا مع رأي أنصار الإيمان الديني بالفطرة الغيبية ،بل نريد أن نضع الإنسان في صلب مسؤوليته الإيمانية. 
يكتسب الإنسان مركزيته في الظاهرة الدينية ، من موقع تحمّله جميع أعباء ومسؤوليات والتزامات الإيمان الديني بالمقدس ، أضف لذلك أن  الإنسان منفعل وفاعل في تحمله أعباء إيمانه الديني ، رغم عدم امتلاكه قدرات ومنهجيات المنطق في إثبات وجود المعبود المقدس ، إثبات يقين وليس إيمان غيبي كما يؤمن غالبية المتدينين ، وبهذا تتضح ايجابية الإنسان في معادلة الإيمان الديني المحسومة . 
لكن ما أهمية أن يكون الإنسان مركزيا في ثنائية الإيمان الديني ؟! 
أهمية أن يكون الإنسان مركزيا تتأتى في امتلاكه أدوات  الفهم والتعامل مع الدين بمسؤولية، ووجوب تحصينه من جميع تأويلات النص المنحرفة الذي غالبا ما يكون قد اكتسب بالقوة الغاشمة قدسيته القطعية بالتسليم له ، وكذلك في فهم النص  الفقهي المنحرف والاجتهادي، وعدم توظيفه وسيلة إفساد الدين في غلبة نوازع الشر والتطرف والغلواء . مركزية الإنسان في الظاهرة الدينية، تعني وضعه في المسؤولية الأولى والأخيرة في انتظام الإيمان الديني عنده.وان لا يركن الأمور لتدبير الخالق وحده.بل في مسؤوليتة عما يؤمن به ويوصله مرافيء الراحة والاطمئنان.
يتنازع الدين تداخلا وظيفيا استبداليا، يتعالق ويتواشج فيه الدنيوي والمقدس، فهل يحتاج الإنسان الدين لكسب الحياة الآخرة (الجنة) ؟ أم انه يحتاج الدين لتسكين قلقه الوجودي؟ أم كليهما معا؟
واضح أن الإنسان يحتاج الدين، أو بالأحرى التديّن لتلبية إشباع حاجاته الإيمانية في تهذيب أخلاقه وسلوكه وبعض حاجاته المجتمعية بنوع من التربية الدينية،ويحتاج التدّين في التخفيف من ضغوطات وأعباء الحياة،في الالتجاء والخضوع والتسليم لإرادة وقدرات إلهيه(يخلعها ويتصورها) تمتلك مقومات ومعجزات خارقة لا محدودة وغير منظورة، تفعل فعلها السحري بتزويده بما يحتاجه من توازن نفسي وقلق مسكون به يتلبسّه.
التداخل بين التديّن من اجل الحياة ،يتداخل ذاتيا مع حاجة التدين من اجل ثواب الآخرة ،لتوكيد ربما غير إرادي ترابط(الدنيوي والمقدس) دينيا،في تلازم لا انفكاك عنه، وعفوية طقوسية متدينة، فالتربية الدينية في خدمتها الأرضي، وبما تمنحه من رضى نفسي وارتياح متعال أحيانا، تجعل الإنسان مطمئنا انه ينال رضوان الخالق ويطمع في نيل ثواب الآخرة.
التدين الدنيوي وإرضاء المقدس في نشدان ثواب الآخرة كلاهما يلعبان في الظاهرة الدينية، وظيفة استبدالية تناوبية متكافلة في اغناء أحدهما الآخر، فكلما تعمّق الالتزام الدنيوي التديني، كان ذلك خدمة متداخلة في الطموح لتحقيق ثواب ماهو قدسي غير منظور، لمرحلة ما بعد الحياة.
إن انسنة الدين عند المفكر عبد الجبار الرفاعي هو في أن يبقى الإنسان كائنا دنيويا- ارضيا غير متعال ولا يشكل بؤرة مركزية في الديني،(ثنائية الخالق بالعبد)، وانه بحاجة دائمية مستمرة، إلى منقذ من الضلال،في التسليم بإيمان غيبي لإشباع (الظمأ الانطولوجي) على حد تعبيره، إيمان امتلائي روحاني يعطي الدنيوي معاني مفعمة بالقيم المثلى والخير،تخرج الإنسان من الضياع المادي الضاغط،والتوزّع المشتت بالعدمية والعبثية وفي لا معنى الحياة،باللجوء إلى الهي مقدّس، يسلمّه الإنسان كامل الإذعان والطواعية في تمجيد صفاته الإلهية اللانهائية غير المحدودة.
الظاهرة الدينية والمنهج:
استشهد بمقاطع اعتمدها من مقالة الأستاذ رضا حسن الغرابي،في تعقيب له مقارن، في دراسة الظاهرة الدينية من منظورين مختلفين، بين عبد الجبار الرفاعي، وفالح مهدي، نشرتها صحيفة المثقف الالكترونية بجزئين، 21/7/2017.يذهب فوكو(إن العلوم الإنسانية ليست علوما زائفة وحسب، بل هي ليست علوما على الإطلاق.)
وبإنكار فوكو الطابع العلمي لهذه العلوم من ضمنها الحقيقة الإيمانية الدينية ،ينتفي معنا ،أهمية حضور المنهج العقلاني في تناولها ودراستها.علما أن فوكو هو ليس الوحيد في هذا الرأي، فهناك شتراوس وهابرماس والتوسير وغيرهم.
ويشير الأستاذ رضا على لسان(غادمير) الداعي لفك الارتباط بين الحقيقة والمنهج،وموقف تيرابند الرافض لفكرة وجود منهج علمي،رافعا شعارا مثيرا للجدل(كل شيء يمر).
الملاحظ هنا إذا كانت الحقيقة العلمية أو المعرفية عامة ينتهي معها  وفي دراستها المنهج، فمن تحصيل حاصل أن لا يكون هناك منهجا في دراسة،حقائق العلوم الإنسانية في حال (تعينّها) وإخضاعها للنقد والمراجعة، لعل أهمها الحقيقة الدينية.
وفي حمّى التراجع المنهجي لدى العديد من مفكري وفلاسفة الغرب،لا يلغي معنا واقع  السائد أن مناهج أو طرق الاستدلال على الحقيقة، سواء أكانت حقيقة علمية
أو حقيقة معرفية، متعددة لعل في مقدمتها يأتي المنهج العقلاني والمنطقي في دراسة الحقائق الفلسفية والمعرفية، والمنهج العقلاني التجريبي في دراسة الحقائق العلمية.
وكلا هذين المنحيين المنهجيين عاجزين بل بعيدين عن إمكانية التحقق من الحقيقة الإيمانية،التي يكون مصدر التحقق فيها هو(القلب) وليس العقل.  سواء جاء هذا التحقق الإيماني، عن طريق تغييب التفكير العقلي أو المنطقي في الاستدلال،أوفي تغييب المنهج العقلي التجريبي العلمي،الذي لا علاقة له بحقائق الإيمان.
يبقى معنا أن الاستدلال الإيماني الغيبي،الذي مصدره القلب يكون في منحيين، الأول في اعتماد الاستدلال الإيماني قلبيا،عن طريق الفطرة الجينية الموروثة بالولادة، ويسير الإيمان مع الفرد المؤمن في طريقه الملازم إلى مراحل عمرية متقدمة وربما مرحلة الموت ،في الاستغناء التام أن يكون لمناهج العلوم والمعارف إي تدخل يذكر في مراجعة أو تبديل قناعة الفرد الإيمانية،الموروثة بالولادة والمعمّقة بجميع مؤثرات الشحن تعليميا ومجتمعيا،وقبلها أسريا،التي يعززها الإيفاء بمتطلبات المقدس دنيويا في إقامة الطقوس العبادية من صلاة وصوم....الخ من التزامات.
الاستدلال الإيماني الغيبي الثاني قلبيا، إي عن طريق منهجية القلب،هو في(التصّوف)  ويكون هذا مرحلة متقدمة على الأولى، إي مرحلة طريق التسليم الإيماني بالوراثة الفطرية،الذي يلغي أيضا فاعلية العقل المنهجي المنظّم منطقيا في الاستدلال،وينطلق من الفطرة الإيمانية،لكنه يتجاوزها،عن طريق التصّوف القلبي الاستبطاني الكشفي في مرحلة عمرية متقدمة.
كما أن محاولة الجمع بين(الحقيقة والإيمان) محاولة عقيمة،فهي تتطلب الجمع بين منهجين متعارضين مختلفين،لاختلاف موضوعي الحقيقة المعرفية المطروحة، فالحقيقة في المنهج العقلاني،هي غيرها الحقيقة بالمنهج الإيماني القلبي.والجمع بين الاستدلال بالمنهج العقلي،مع الاستدلال بالمنهج الإيماني القلبي،يعني استحالة معرفية.يفرضها اختلاف موضوعّي التناول، فحقائق المعرفة والوجود التي يغلب على معظمها المدرك المتعّين العقلاني والمحسوس ، المدعّم بإثباتات منطقية ، بعضها على وفق المنهج العقلاني التجريبي ، في حين أن حقائق الإيمان بالمقدس والإلهي تلغي الاستدلال الواقعي والمنطقي العقلي ،وتتماهى مع الغيبي في التفكير والاستدلال.
من هذه الاختلافات يمكننا الركون إلى استنتاج واضح ، إن حقائق الإيمان هي معطى فطري إنساني ، مرتبط حصرا بالإنسان كوجود ، وهو إيمان مؤنسن بالفطرة الوراثية البيولوجية ، وهو إيمان يكتسب صفة ( المكتسب ) في مراحل عمرية متقدمة من حياة الإنسان الفرد . وهذه الحال تختلف تماما في تناولنا دراسة حقائق الوجود الأخرى ( المادية ). 
لذا أجد من الضروري العودة بالدين إلى الانسنة بالفطرة البايولوجية تحقيقا لمقولة ( الدين لله والوطن للجميع ) بمعنى علمنة المجتمع مع حفظ خصائص الدين كتربية أخلاقية ، موصولة بمناحي الحياة وتنظيمها سياسيا واقتصاديا وثقافيا .إي في استبعاد الدين والتدّين من التوظيف والتسليع السياسي ، الذي يعمل على جعل الدين وعيا مكتسبا مستمدا من نصوص انتقائية في الموروث الفقهي الديني ، وسنعالج هذه الإشكالية في سطور قادمة .
إن في توظيف الدين لأغراض سياسية تبعد المتدين عن ثنائية علائقية ( الخالق بالمخلوق ) وتجعل من الدين والتدين وعيا مكتسبا ، لا يمت بصلة في تحقيق هدف التديّن . ثم أن ( أنسنة الدين ) في تأكيد أهمية وأولوية إيمان الفرد المنحرف   ، بالضد من إيمان المجموع السوي ، تخلع على التدين تقزيما منحرفا شعاره أن ما ينقذ الفرد ليس بالضرورة ينقذ المجموع . (حصر الدين في شّلة لا غيرها).
الظاهرة الدينية وتسييس الإسلام :
إن في انتقال الدين من طقس الفهم الفطري العلائقي ، هو أن الدين علاقة روحانية تعبدية خاصة بين الخالق والمخلوق ، ونقل هذا الفهم إلى مغالطات فقهية توظف في الفضاء السياسي خدمة لمصالح دنيوية ، ورؤية اجتهادية ضيّقة تعمل على تخريب العلاقة الإنسانية والتعبدية والأخلاقية بين العبد وخالقه ، جلب كوارث فادحة .
تسييس الدين في  جعله أيدلوجيا سياسية منحرفة بوثوقي ويقينتأويلا. ، تعمل على تطويع الأفكار الفقهية  الدينية في تنميط أحادي الجانب في إعلائه المقدس دنيويا ، كمرجعية  احتكام قاطع  تلغي الآخر فكرا وأخلاقا وسلوكا وتدينّا ، متخذّة من فقه  التقديس الدنيوي مرجعية  القطع بكل شيء بالحياة . واعتباره قيما ومفاهيم من وحي الإله ونصوص الدين المحرّفة تأويلا . هذا يلغي ويقاطع جميع القدرات والمعارف الإنسانية الوضعية ، مقارنة مع مصدر الاحتكام إلى عصمة فقه المقدس الديني الدنيوي المستمد من قراءة خاطئة لتلك النصوص في إعادتها إلى مرجعية معصومة. وفي تجاهل أن العصمة لا تكون لبشر،فما يأتي به بشر يخطّؤه بشر أيضا، لذا يكون من الخطأ الارتكان إلى تفسير ما وضعه بشر في زمان ومكان غير ما نعيشهما اليوم. وهذا يسحبنا إلى تساؤل مصيري هام، هل أن الإسلام السياسي اليوم يمكن أن يكون دينا ودولة؟ تصلح وتعيش نموذجا يحتذى في كل زمان ومكان؟
كي نكون أمينين في مقاربتنا طروحات تسييس الديني الإسلامي،نجد انه تنبثق لدينا سلسلة طويلة من علامات الاستفهام التي تجّر الواحدة ما بعدها.
هل والى أي مدى يمكننا التسليم،إن الأفكار السياسية المتعالقة بالديني إسلاميا،
والتنظيرات والطروحات النقدية الإسلامية المعاصرة، القائمة على تجاوز ما ورائيات الإدراك الفكري المعرفي،بمكنتها ومقدورها تحقيق قيم حداثوية في حياة الإنسان المسلم والمجتمعات الإسلامية؟ ومدى إمكانية مساهمة الأفكار الإسلامية تغيير وتبديل واقع عربي إسلامي مأزوم بكل مناحيه،قبل إعلان العجز والإفلاس واللجوء إلى وسائل التطرف في قطع الرؤوس والذبح وحصد أرواح الأبرياء بالمفخخات؟!
من جنبة أخرى فان الفرق بين التدين المعتدل،والتدين السياسي المتطرف هوان الأخير ألغى مبدأ(الحرية) الدينية في الاختيار كمعطى أولي في الحياة. وأشاع أيضا،أي التدين المسّيس كايديولوجيا مستمّدة من فقه الدين المنحرف،إنما تنشد عبودية القطيع في الإذعان والخضوع المتخّلف ،للخطاب الديني الوضعي المقدس بكل اشتمالاته الخالية من كل ما يمت للدين من قيم أصيلة متداولة. وأمام هكذا فهم اعتباطي قاصر للدين في إعدامه فرص الحياة،وسلوكيات لقاء  الآخر والتعايش معه بقيم إنسانية وأخلاقية،تلغي حالة القطيعة المزمنة في اغترابية المسلم عن عصره.وتبرز أمامنا بوضوح ضحالة الفكر المتطرف.
منذ اتخاذ الإسلام وجوده التاريخي دينا ودولة،واستمرت تجليّاته تلك،في أنظمة حكم ودول عديدة عبر التاريخ،سادت ثم اندثرت،نجد أننا اليوم نعدم ويتعذر علينا في مراجعتنا لتلك التجارب،وخطاباتها وطروحاتها في إمكانية استلهام نموذج من تلك الحقب يمكننا احتذاؤه في إقامة دولة إسلامية،لها قدرة البقاء كدولة معاصرة مدنية حديثة.ما يعطينا حقيقة استحالة عصرنة الإسلام كنظام حكم.
نترك ذلك الطموح الطوباوي وننسحب لمناقشة جزئية،لها علاقة مباشرة في الخطاب الإسلامي المعاصر،هو إشكالية المعاصرة والتراث،إشكالية تضرب عمق الوجود العربي الإسلامي بالصميم،وأشبعت دراسة وتحليلات وتنظيرات فلسفية احتوتها بطون الكتب والمؤلفات والمدونات وأرشيفات المؤتمرات،دون جدوى تذكر يعتد الأخذ بها،تخرجنا من متاهة الشد والجذب كي نرسي على بر مطمئن حاسم، و بقيت إشكالية معلقة مؤجلة رغم عظم أهميتها، بوجوب الاهتداء لآلية تنفيذية تطبيقية حاسمة لنعيش العصر.
من هنا ضرورة أن نعمل على تحييد الدين في حياتنا، في تدعيم أهميته في الاعتدال والنأي به عن التسييس من جهة،ونعمل على جعل التدين فعالية مجتمعية جامعة تعيد الإيمان الديني متعايشا مع الحياة غير متقاطع معها ومعرقل لقيم التقدم و الخير والسلام فيها.مجتمعية التدين ركيزتها الأساس(الفرد).
عاش الإسلام عبر العصور والتاريخ،إسلام المجموع وشذوذ القلة، واليوم نجد على أيدي المتطرفين أصبحت مشروعية أن يهلك المجموع في بقاء القلة الشاذة باسم الفرقة الناجية وخرافة الدولة.
الخلاصة:
نستطيع القول باطمئنان أن جميع الدراسات والبحوث الفلسفية والفكرية على تعدد مشاربها،التي حاولت(عصرنة)الظاهرة الدينية منيت بالفشل الذريع،وباءت بالخسران، وان المجتمعات الشرقية عموما،والعربية الإسلامية تحديدا مولعة وبفعالية واضحة إشباع نزعتها المهووسة بالدين،وممارسة طقوس العبادة بولع شديد تعويضا عن الفقر والكوارث ومنغصّات العيش المتدني. بدءا بالمسلم والمسيحي،وليس انتهاء بالبوذي والهندوسي والصابئي المندائي والايزيدي وهكذا،جميعها أديان أو أقليات دينية، تغتذي العبادة الدينية وإقامة طقوسها  الخاصة،واعتبارها التمايز الديني أهم مقومات وجودها،سواء أتى ذلك بوسائل وافصاحات(ملائكية) أم أتت بوسائل تعبير وممارسات (شيطانية) مارقة تتلذذ بسفك الدماء والقتل المتوحش.
كما أن محاولات الحث على جعل الدين والتدين مرتبة ثانوية بالأهمية في توكيد الذات،واعتبارها الظاهرة الإيمانية،في بعض افصاحاتها التدميرية المتطرفة نزعة جاهلية متخلفة،فمثل هذه المساعي ذهبت وتذهب أدراج الرياح في دعوتها الإصلاحية،في استحالة عصرنة الديني.
إن المنطلق السليم يبدأ من أن المجتمعات الشرقية بخصوصياتها المتجذرة عبر الأجيال والتاريخ تعتبر الدين ونزعة التدين لديها مقوّم معنوي في توكيد الذات والشخصية والهوية ولا مجال المساس بها حتى وان جاءت عقلية وسلوكا رجعيا متخلفا.
وان ما يخفف مأساة الإنسان الشرقي بالحياة هو تعاطيه ترياق الدين،ومعبودا يقدّسه.
  ولحل إشكالية التدين أن يكون عامل إعاقة لتقدم المجتمعات العربية الإسلامية، وردم هوة البون والتفاوت الشاسع في تخلفنا عن المجتمعات الغربية، يكون من الضروري فيه إطلاق حرية التدّين إلى كامل مداها،تحت وصاية نوع من العلمنة،التي تفصل المجتمع بتركيبته المدنية وتعدد الآراء والسلوكيات المنضبطة تحت ولاء القانون، (النموذج التركي في عصرنة كل منا حي الحياة ما عدا الدين) يمكن أن تكون نموذجا يحتذى. حداثة تجعل من الدين والمعتقد الديني فضاء مفتوحا مشاعا للجميع،مع تأكيد عدم مشاركة الدين في الحياة السياسية،وان لا يكون عامل إعاقة في مدنية الحياة وتحضّرها،وان يكون التنوع الديني إثراء للتعايش المجتمعي. كما في النموذج الماليزي،والى حد ما النموذج الاندنوسي.
علي محمد اليوسف/الموصل

كل الحقوق محفوظة لموقع فلسفة 2018/2004

لا تعبر الآراء الواردة في موقع فلسفة إلا عن وجهة نظر كاتبيها