الرئيسية» الرئيسية دفتر الزوار»دفتر الزوار راسلنا»راسلنا شروط»اتفاقية الاستخدام
تويتر فايسبوك
مدير الموقع
موقع فلسفة
لايستهدف جلب الأنصار و إنما تكوين أناس أحرار

موقع فلسفة
قائمة المحتويات
بكالوريا 2017

فلسفة

 
000webhost logo

موقع فلسفة موقع خدمي يسعى إلى تقديم نوع من الخدمة المعرفية ، و هو موقع معني بالفلسفة ، وبالاهتمام بالفلسفة بالمعنى العام للكلمة و يتشرف باستقبال كل موضوع ينسجم مع هذه المرجعية و يتم قبول الموضوعات التي ترد إلى الموقع وفقاً لسياسات موضوعية و منهجية معينة من بينها: المحتوى والحجم ، وكذلك مستوى الموضوع ، و الطبيعة الأساسية للموقع . وبعد حصول الموضوع على الموافقة ،يتم إدراجه في الموقع .

هـُنـَا تـُـقـْـبَـلُ أرَاءُ كُمْ النِيّرَة وَ مَوْضُوعَاتُـكُمْ المُـفِيدَة
*** وجهة نظر *** دورية تصدر عن موقع فلسفة/ جميع حقوق الموقع محفوظة،© موقع فلسفة 2018/2004 - ع.فورار
لا تعبر الآراء الواردة في المقالات المنشورة إلا عن وجهة نظر كاتبيها
(أساطير وميثالوجيا الموت والخلود عند القبائل البدائية)/ علي محمد اليوسف/الموصل
(أساطير وميثالوجيا الموت والخلود عند القبائل البدائية)/ علي محمد اليوسف/الموصل

لم يكن الإنسان البدائي يعتقد ان احدا يموت موتا كاملاً، فالموت بالنسبة له لا يعني بأي حال من الأحوال التوقف الخالص والبسيط لأشكال النشاط والوجود كافة، انه يكون أمرا مطلقا ابدا، فالميت يحيا بينما هو ينتظر البعث(1).
كما يقول بولص رادين: في تلك المجتمعات البدائية التي لدينا سجل لها يتفّهم الافراد كافة بشكل محدد تماما الفرق بين الشخص الحي وجثته، كما هو واضح بالمثل انهم لايعتقدون ان شخصية الإنسان بأسرها، أي كل ما يميزه ككائن حي يختفي عند الموت، فجسمه يضل في النهائية باقياً، رغم انه يتحلل، إلا ان بعض الأجزاء تبقى فيما يبدو للأبد، وهنا دليل مرئي على عدم قابلية الإنسان للفناء(2).
إن معاصرين جميعا يعتقدون الإنسان له روح تواصل الحياة عقب الموت على هيئة (شبح) وهكذا فان أبناء (تاسمانيا) و (سواموا)، وقبائل الاينوس في شمال اليابان يؤمنون جميعا، بان الإنسان له بديل روحي (قرين) (Double) ، له روح تبقى بعد الموت، ويبرهنون على ذلك بالحقيقة القائلة، بان الموتى يظهرون أنفسهم حقا في بعض الأحيان للناس في الاحلام. وسكان المناطق القطبية من الاسكيمو يعتقدون ان الإنسان له سمتان روحيتان، اسم وروح، وعقب الموت يغادر الاسم الجثة، ويخترم جسم امرأة حبلى ليولد من جديد، في أهاب طفل، أما أبناء قبائل الهوبيس في اريزونا فيعتقدون ان للاشياء كافة بما في ذلك الفاقدة للوعي والقدرة على الحركة اجساما اثيرية، أو ارواحاً، ويظن أبناء الفيتوتا المنتمين إلى مناطق الامازون، ان للبشر والحيوانات ارواحا هي نسخ مطابقة تماما من الاجسام، وان كانت غير مادية(3).
تؤيد الاساطير والميثيولوجيا القديمة في اصل الموت والموجودة بين البدائيين، الاستنتاج القائل بانه خلال الفترة الطويلة التي مرّ بها الجنس البشري قبل التاريخ لم يكن الموت يعد لازمة ضرورية للوضع الانساني، لقد كان المعتقد ان الإنسان ولد خالداً، وانه ليس بوسعنا ان نعثر في أي مكانٍ بين البدائيين على فكرة الإنسان يعرف نفسه عند الموت، وان التفسير الذي يصادفنا يتمثل في القول بان الالهة قد بعثت بالموت، اذ اخذتها الغيرة من الإنسان الذي طردها من الأرض(4). ومن الاساطير النموذجية التي توضح أصل الموت هي أسطورة (ناما) بين قبائل الهوتنتوت (NamaHottentats) والهوتنت شعب يعيش في جنوب أفريقيا ويشبهون (البوشمن) في اللغة والملامح الجسمية. وجاء في أسطورة ناما ان القمر أرسل القملة يوما لتعد الإنسان بالخلود، كانت الرسالة تقول: كما أموت وفي مماتي أحيا، كذلك أنت ستموت وفي مماتك ستحيا، وصادف الأرنب البري القملة في طريقها ووعدها بنقل الرسالة غير انه نسيها وابلغ البديل الخاطئ لها: كما اني أموت وفي مماتي أفنى....الخ فضرب القمر الأرنب غاضبا على شفته التي ظلت مشقوقة منذ ذلك الحين(*).
كما ان الأسطورة الاكثر انتشارا في معظم مناطق أفريقيا حول كيفية مجيء الموت لا تختلف عن هذه الأسطورة كثيرا، كما اورده هانز ابراهمسون، ان هنالك إلهاً اكبر, إلهاً خالقا أرسل رسولا حسب الروايات (حرباء ، كلب ، بطة......الخ) لتقول للبشر ان الإله سيمنحهم حياة خالدة أو على الأقل انبعاثا جديدا، وربما حدث عن سوء التواصل والفهم أو الاهمال، كان هناك رسولا اخر (طائر ، ضفدعة, سحلية) تحمل رسالة معاكسة بان مصير البشر هو الموت.
وعند قبائل الاشانتي في أفريقيا أيضا، ان المرأة تعاركت مع الإله وضربته ، ودفعت به من حيث اتى فاصبح الموت غاية كل البشر(5).
كما ان قبائل (فانتي) الافريقية في (غانا) كانوا يعمدون ترك جثة الميت في العراء، حتى تلتهما الحيوانات المفترسة، وفي اماكن اخرى يلقونها في شلالات جارية لتحملها المياه بعيدا عنهم، او كانوا يتركونها تحت سقيفة على حدود البلدة حتى تتحلل، ثم تؤخذ العظام الباقية بعد التحليل لأعادة دفنها في مدافن خاصة(6).
وفي ملحمة كلكامش وهو ملك اوروك العظيم وبطل الأسطورة البابلية الشهيرة التي تصوره على انه ضخم الجثة، شجاع مقدام، ثلثاه إله وثلثه الباقي إنسان، أسلحته فتاكة، ألقى الرعب في قلوب الناس، لم يترك فتاة لحبيبها، ولا خطيبة لنبيل، حتى ضج البشر من ظلمه، وتضرعوا إلى الالهة ان تخلق له غريما يصارعه باستمرار ، فاستجابت الآلهة وخلقت البطل (انكيدو) لكنهما بعد مصارعة عنيفة حطما فيها أركان البيت تعانقا وتعاقدا بعهد الصداقة، وهكذا اصبحا صديقين حميمين، وتمضي الأسطورة فتروي انهما اتفقا يوما على قتل ثور السماء المقدس، فغضبت الالهة وحكمت على انكيدو بالموت، وكان كلكامش بجوار فراش صديقه وهو يحتضر، وبكاه بكاءا مراً ، وادرك من موت صديقه انه سيموت هو أيضا الاخر، لا محالة فذهب تائها في البراري والفيافي يقاتل الوحوش وينام بين الاحراش في العراء وهو يقطع المسافات على غير هدى بحثا عن نبات يمنحه الخلود في الحياة، وحسب الأسطورة ما ان لبث ان عثر على عشب الخلود، حتى سبقته الحية (الثعبان) وتخطّفت عشب الخلود منه وابتلعته، فعاد إلى بلده خائبا مؤمنا بمصيره المحتوم(7).
وتتداخل اسطورة كلكامش مع اسطورة هرقل اليونانية، تداخلا عضويا حول مسألة الموت والخلود إذ (يبقى الموت هاجسا يقض مضجع الانسان بسيطا كان ام بطلا، ذلك انه لمن الصعب عليه تقبّل فكرة القضاء على وجوده الشخصي كظاهرة طبيعية لامناص من حدوثها، هذه الحقيقة هي نفس الحقيقة التي انكرتها الاسطورة، وحاولت القضاء عليها، فلقد بينت ان الموت لايعني فناء الحياة الانسانية وكل ما يعنيه هو تغير في صورة الحياة، أي حلول صورة من صور الوجود مع صورة اخرى).(8)
ولا شك ان الانسان اليوناني وهو ينظر إلى الموروث الانساني حوله كان يسعى لان يستلهم من مجاوريه ما يدعم ثقته بان الحياة من الممكن ان تستمر وان كان بصورة اخرى وفي بعض الاحيان يجب على المرء القول بأن الاسراف الكبير في الخيال الشرقي حرر الاغريق من الحدود التي كانت تحدد زوايا نظرهم، قادتهم للتفكير في دورات عشرة الاف سنة من الاجيال البشرية، في اللانهاية وراء السماء المرئية، وتحت اسس الارض في الحياة التي لا ترتبط بالرحم والقبر، ولكن تحدد في اجساد مختلفة جيلا بعد جيل(9).
واذا كان ما يرعب الابطال هو العالم الاخر، فان اقتحامه والهبوط اليه هو أقصى افعال البطولة، ان مكونات رحلة هرقل إلى العالم الآخر تكشف الكثير من عناصر الاستمداد من الفكر الرافديني القديم، وفي الوقت الذي يؤكد هوميروس انه حتى هرقل لم يهرب من قبضة الموت وهو الذي كان عزيزا جدا لدى رب الارباب يوس بن كرونوس اذ أن القدر وغضب هيرا الثقيل قد أتيا عليه، فأن هزيود يعكس صورة اخرى حين يقول هرقل المجيد الذي قدّم للالهة عملا عظيما يقضي الآن كل ايامه بعيدا عن الآم الشيخوخة(10).
وحين يرحل هرقل، كما  فعل من قبله انكيدو في ملحمة كلكامش ، إلى العالم السفلي، خالف انكيدو تحذيرات كلكامش في العالم السفلي (هاديس) لذا احتجز هناك في حين ان هرقل فعل الامر ذاته ونزل العالم السفلي وعاد سالما، لذا كان كلكامش يستعطف الاله أنكي ان يأمر أله الشمس بفتح كوة في العالم السفلي ليخرج شبح انكيدو.
ان مسار حياة كلكامش ونهايته لا تبتعد كثيرا عن مثيلها عند هرقل، فاذا كان هرقل قد خرَمَه الموت، فهو النهاية ذاتها لكلكامش، الذي اخبره (اتونا بشتم) الخالد باستحالة الخلود لغيره سواه، مما يعني ان الموت كان مصير البطل العراقي، بل ولا بد ان نلاحظ ان عشبة الخلود الذي نصحه اوتانابشتم بالبحث عنها بالبحر وقامت الحية بسرقتها، لانعدم مثيلا لها في تلك العشبة السحرية الحامية من اذى الادميين، والتي كانت (جايا) تبحث عنها لتحمي ابناءها ، فضللها عنها زيوس(11).
ولاجل التوفيق بين واقعتين، واقعة موت هرقل، وواقعة خلوده تأتي رواية ان شبح البطل فقط هو ما يسكن في هاديس العالم السفلي اما هو فيعيش مع الخالدين فوق جبل اولمبوس، لأن زيوس ذاته قد منح كل من شارك في حرب الالهة بضمنهم هرقل العظيم والعمالقة الاخرين لقب اولمبي(12).
ويؤكد جاك شورون انه في إطار التأملات البابلية والاشورية لم ينظر إلى الموت باعتباره النهاية المطلقة للحياة، أو على انه يؤدي إلى الفناء الكامل للحيوية الواعية، ولكنه يعني انفصال الجسد والروح، وتحلل الأول، وانتقال الأخيرة من نمط للحياة أو للوجود، إلى نمط اخر، ان الروح تهبط إلى العالم السفلي لتقيم هناك من خلال الازل.
اما في مصر الفرعونية وما قبلها فكان يوضع تابوت منحوت من الخشب وهو مزين بالكثير من الزخارف وفي داخل هذا المركب يوجد الميت في اكفانه، ويستطيع المتوفي في عقيدتهم ان يرى ويسمع ويأكل، ويقوم بوظائفه كما في العالم الفيزيائي، وتبدأ ترانيم الرحلة إلى دار الخلود. ويذبح احد الثيران التي كانت تجر المزلجة التي تحمل الجثمان، وتقدم رجل الثور اليمنى الامامية – التي ترمز لقوة الحيوان – نحو فم المومياء لتعطيها القوة والنشاط والحيوية التي تمتلكها الأضحية(13).
وعند الاغريق في القرن الثاني عشر قبل الميلاد مورس الدفن الافرادي، بعد ان كان جماعيا ، وكذلك عادة حرق الجثة، وأصبحت الأخيرة العادة السائدة، وكانوا يعرّفون القبر عن غيره بوضع عمود حجري عليه اسم المتوفي ويسمونه (سيما) وعادة ما تكون تلك الأعمدة التذكارية مزخرفة ومنحوتة بشكل فني رائع، وفي الاحتفالات السنوية بذكرى المتوفين تغسل وتنظف تلك الأعمدة، وتمسح بالزيوت وتزين بأكاليل الزهور والورود(14).
في مدونة (الفيداس) Vedas قبل (2000) سنة قبل الميلاد في الهند ، كان الاعتقاد في الحياة الأخرى سائدا، وأيدتها الموجودات الاركيولوجية. فان هناك الكثير من البراهين الاركيولوجية التي تشير إلى انه حتى في تلك الأزمنة السحيقة وبالرغم من تعدد الثقافات الهندية، كانت لديهم الاعتقادات بوجود حياة أخرى بعد الموت أو (أساطير أصل البشر). فقط كانت توضع جثة الطفل في جرة فخارية ، وكأنما هي جنين داخل الرحم، كما يشير إلى تفكيرهم في اعادة الحمل مرة اخرى في تلك الجرار، وربما يتوقعون إعادة الولادة مرة اخرى(15). لا نريد الاستطراد في مثل هذه الأمثلة التي تؤكد على ان جميع شعوب وقبائل الأرض المأهولة منذ بداية الخليقة إلى اليوم كانوا يعتقدون اعتقادا راسخا، بان الموت هو ليس نهاية عدم وجود الإنسان، وإنما تنتظره هناك حياة اخرى يبعث فيها من جديد، ويحاسب على اعماله في الحياة التي عاشها، ويجازى بالثواب والعقاب حسب اعماله الخيرة أو ان كانت شريرة.
ومن الواضح ان تجربة الموت في ملحمة كلكامش تتجاوز اكتشاف حتمية الموت، فهناك كذلك اشارة إلى طابعه النهائي وتتسم هذه التجربة بالشعورين المتداخلين زمنيا بخشية الموت وعقم الحياة، ومن الامور التي تدعو للاهتمام مقارنة رد فعل كلكامش للاستجابة العادية من جانب الرجل البدائي تجاه موت رفيقه البشري حيث يكون الاندفاع الأول متمثلا في التخلي عن الجثة والفرار، لان الميت قد غدا شيطانا بوسعه ان يقتل(16).
ويبدو ان ما يفسر لامبالاة الإنسان البدائي بالموت، هو بالاحرى ايمانه، بان الموت هو ليس فناءا نهائيا، وليس كما يعتقد دور كايم ((لان الإنسان البدائي وتدريبه على عدم المغالاة في تقدير فرديته، ولاعتياده تعريض حياته للخطر، باستمرار فانه يتخلى عن حياته بقدر كاف من السهولة، وحينما يقرر دور كايم انه ليس من الصحيح ان الحاجة إلى البقاء الفردي كانت تخالج المشاعر على نحو نشط في البداية، فانه لا يبدو يدرك السبب في ذلك ببساطة هو ان الإنسان البدائي لم يعتقد بالموت على انه نهاية، فإذا لم يكن بوسعه أدراك فعالية ذلك فكيف شعر بالحاجة إلى البقاء الفردي!؟(17).
واذا عدنا إلى (كتاب الموتى) المصري الذي يعود تاريخه إلى حوالي 3500 ق.م ، يتناول رحلة الروح الإنسانية في دار الخلود باعتبارها يقيناً حقيقياً وباعثاً على البهجة على الاقل كالوجود الارضي، ونحن لا نعرف بالطبع ما اذا كان الايمان بخلود الروح على النحو الذي ورد في كتاب الموتى هو بالفعل دفاع ضد وجهة النظر التي تتناول الموت باعتباره فناء شاملا، أو ما اذا كان تعبيرا عن اقتناع بدائي، بعدم قابلية الإنسان للفناء، فيما يبدو ويجعل من المؤكد بصورة جلية، ان النظر إلى الموت كفناء شامل يشكل مرحلة متأخرة في مواجهة الإنسان للموت(18).
ثم نبّه بعض الفلاسفة الغربيين واجب اعادة النظر في الانطباع بان المصريين القدامى كانوا شعبا مريضا تملكته فكرة الموت، فأفنى زهرة حياته في كآبة ووقار في غمرة الاستعداد لنهاية الحياة... فليس هناك ما يمكن ان يكون ابعد من هذا عن الحقيقة، لقد قضى المصريون القدماء وقتاً غير عادي وبذلوا طاقة غير مألوفة في نفي الموت ومراوغته(19).والاستمتاع بمباهج الحياة وسحرها.
بعد قليل من التطور البشري في العصر الزراعي وظهور العائلة والعشيرة والقبلية والقائد والملك، اعتقد القدامى بان روح بطل القبيلة أو الملك أو القائد هي روح خالدة لا تفنى ولاتموت. وحدد هوميروس نوعين من الروح، الروح الفانية عند الموت، والروح الخالدة التي هي من نصيب المتميزين اجتماعيا وسلطويا فقط. وفي الالياذة ضحى آخيلAchillesباثنى عشر شابا من نبلاء طروادة عند وفاة باتروكولوس... هذا غير الاضاحي من الثيران والخراف والماعز والخنازير.
إن هذه الاضاحي الحيوانية سواء اكانت في ساحة المقابر أم في ما بعد في المأدبة الجنائزية كان يعتقد انها تفيد الميت وتكرمه وليس ذلك فقط ولكنه أيضا تظهر مدى الحزن والالم بخسارة الفقيد، كما كانت تراق أو تصب السوائل من اجل الميت سواء الخمور ام العسل ام الزيت(20).
واليوم عندما يتحقق الإنسان من ان الموت هو فناء شامل يكتمل بذلك اكتشافه للموت، وتحت تأثير هذا الاكتشاف الشامل للموت يغمر الإنسان شعور بعبث الحياة بقوة لا مثيل لها، فاذا كان الإنسان سيفنى عبر الابد كله، واذا لم يكن ثمة امل في حياة اخرى، فاي منفعة لمن يتعب مما يتعب به(21).
وقد سيطر هذا الضرب من اليأس والاحباط على شعوب الحضارات القديمة في وادي النيل، وبلاد ما بين النهرين وفلسطين، وعلى اوائلك الذين قطنوا المستعمرات اليونانية في اسيا الصغرى، فنجد ممنيروموس وقد شغله الحزن الذي يثيره مقدم الشيخوخة ومن ثم الموت، وهو يبكي اجيال البشر تسقط كوريقات الشجر في الغابة. على وتر سبق ان عزف عليه هوميروس(22).
كما يود الإنسان ان يعتقد وكما تؤكد الأسطورة والمبدأ الديني، على ان الموت ليس نهاية مطلقة وان البقاء بعد الموت ليس وهماً.
إن اشكالية ما بعد الموت ليس بمقدورها تفنيد الاستنتاج الذي يبدو لا مجال لتجنبه القائل بان رحلتنا القصيرة تحت الشمس هي فكاهة مجردة من المعنى ومهزلة مأساوية قوامها العبث، ان مسألة معنى الوجود الانساني في الشمول الكلي للوجود، هذه المسالة الاساسية في الفلسفة ، تكتسب أهميتها العملية الحقيقية من خلال اكتشاف الإنسان الشامل للموت(23).
وجاء في ((إبنياد)) الذي حققها بلوشن Plotion (203-262م) ان: النفس جوهر لا شائبة فيه لا هيولي له ولا يلحقه الفناء انحدر من عالم العقل إلى عالم الشعور والمادة، هذا الجوهر العقلي يقيم ازليا في عالم الفعل الذي لايمكن ان يتخلى عنه، ولكنه يلي درجة الفعل النقي الذي لا تنهنههُ العواطف في انه يستشعر رغبة إلى توليد الاشكال التي تخامره والرغبة تتمخض بالألم حتى تنجز مهمتها في عالم المادة، من هذه الغربة تكون النفس, لذلك كانت النفس هي العقل احيانا. تكون خارجة عن الجسم والعقل يعمل في هذا العالم بواسطة النفس ونفس سائر الحيوانات قد سلكت سبيلا خطأ، وهناك أيضا نفس نباتية انعم عليها بالحياة وانبثقت أيضا من المصدر ذاته، والنفس البشرية ثلاثة اجزاء: نباتي، حيواني، عقلي وهي تفارق البدن عند تحلله والنفس الخالصة من كل شائبة، وهي التي حفظت ذاتها غير مدنسة برجس هذا العالم ستعود فورا وبدون أي تأثير إلى الجواهر العقلية التي اصابها الرجس في هذه الدنيا، فلن تعود إلى حالتها الاصلية الا بعد معاناة الاهوال(24).
علي محمد اليوسف/الموصل
(1) جاك شورون، الموت في الفكر الغربي- ترجمة كامل يوسف حسين – مراجعة وتقديم د.امام عبدالفتاح امام – سلسلة عالم المعرفة – 1984 – ص23.
(2) المصدر السابق، ص 24.
(3) المصدر السابق – ص 25.
(4)جاك شورون– مصدر سابق – ص17.
(*) يترجم الأستاذ كمال المصري عن برايان باري – التعددية الثقافية – مطبوعات الكويت – ص65، ان لورانس فان بوست(1906-1996) الانكليزي هو الاب الروحي لطائفة البوشمن، كما يمثل الاب الروحي كذلك للامير وليم الثاني، وصديق حميم لابيه الامير تشارلز ولي عهد بريطانيا الحالي، وكان لورانس بوست كاتبا مزارعا ، وبطل حرب ، وناصحا سياسيا لرؤوساء الحكومة البريطانية، وهو ايضا صحافي وفيلسوف، ومستكشف، ومن اهم كتبه (الصحراء المفقودة) ويتحدث عن شعب البوشمن باحترام وتعاطف شديدين ، والبوشمن اتباع ديانة روحانية كونية تبتعد كثيرا عن الديانات المعروفة.
(5) د. سيد الحديدي – العادات الجنائزية لدى حضارات مختلفة – سوريا – اقتباس وترجمة.
(6)د. سيد الحديدي – اقتباس وترجمة – العادات الجنائزية لدى حضارات مختلفة – ص24.
(7) ترجمة الأسطورة عدة مرات لعل من ابرزها ترجمة العلامة طه باقر، والأستاذ انيس فريحة في كتاب ملاحم وأساطير من الأدب السامي، ص9-86.
(8) د. محمد حسين النجم، هرقل والمؤثرات الرافدينية في صورة البطل، دراسات فلسفية، ع20/2007 ، ص75 نقلا عن كاسبرز.
(9) المصدر السابق، نقلا عن طه باقر، Early Greek philosophy.
(10) المصدر السابق نقلا عن هومر ، ص119.
(11) المصدر السابق، نقلا عن طه باقر، ص121.
(12) المصدر السابق، نقلا عن هومر، ص604.
(13) د. سيد الحديدي، مصدر سابق ، اقتباس ومراجعة، ص31-32.
(14) المصدر السابق، ص 36.
(15) المصدر السابق ، بتصرف، ص41.
(16) عناصر النفسية الفلوكلورية ، لاينبرج، 1913، ص18.
(17) المصدر: أسيل دروكايم– الاشكال الاولية للحياة الدينية، 1954، ص267.
(18)ثقافة مصر القديمة، شيكاغو، مطبعة جامعة شيكاغو، 1959، ص78.
(19) نفس المصدر السابق، ص297.
(20) د. سيد الحديدي، مصدر سابق، ص37.
(21) جاك شورون، مصدر سابق، ص300.
(22) نفس المصدر السابق، ص30.
(23) نفس المصدر السابق، ص31.
(24) نقلا عن عبدالقادر ممدوح، فلسفة التصوف، بغداد، ص77.

كل الحقوق محفوظة لموقع فلسفة 2018/2004

لا تعبر الآراء الواردة في موقع فلسفة إلا عن وجهة نظر كاتبيها